وطن-في تصعيد غير مسبوق منذ شهور، أعلنت الحكومة الباكستانية مقتل 228 من مقاتلي حركة طالبان الأفغانية جراء سلسلة من الغارات الجوية التي نفذها سلاحها الجوي على مواقع داخل العاصمة الأفغانية كابول وعدد من الولايات المجاورة، في خضم أزمة حدودية آخذة في التفاقم بين الجارين.
أزمة حدودية تتحول إلى مواجهة مفتوحة
جاء القصف الباكستاني وفق ما صرّح به وزير الإعلام الباكستاني عطا الله طارق – “رداً على اعتداء غير مبرر شنته عناصر تابعة لطالبان عبر مناطق متعددة من الحدود المشتركة”. وقد استهدفت الضربات مواقع عسكرية في كابول وولايات بَكْتيا وقندهار.
من جانبها، أكدت حركة طالبان وقوع هذه الغارات، مشيرةً إلى مقتل 55 جندياً باكستانياً واستيلاء مقاتليها على 19 موقعاً عسكرياً على الجانب الآخر من الحدود، ما ينذر بتحول المواجهة إلى صراع مفتوح بين الطرفين.
الحدود المشتعلة في طورخم
في الأثناء، أفادت وكالة الأنباء الفرنسية عن تبادل لإطلاق النار وقصف مدفعي قرب معبر طورخم الحدودي الحيوي في محافظة ننجرهار شرقي أفغانستان، حيث شوهدت قوات أفغانية وهي تتجه نحو خط التماس. ويُعدّ المعبر شرياناً تجارياً وإنسانياً رئيسياً يربط البلدين، وشهد خلال العامين الماضيين إغلاقات متكررة بسبب التوتر الأمني وتدفق اللاجئين.
اتهامات متبادلة وتاريخ من الشكوك
تتهم إسلام أباد منذ سنوات حكومة طالبان بإيواء مقاتلي تنظيم تحريك طالبان باكستان المسؤول عن هجمات دامية داخل الأراضي الباكستانية، فيما تنفي كابول تلك المزاعم، معتبرة أن باكستان تبحث عن ذريعة للتدخل العسكري.
الأوضاع المتدهورة على الحدود جاءت بعد أيام من غارات باكستانية على ولايتي ننجرهار وبَكْتيا، ردّت عليها طالبان بضرب مواقع عسكرية باكستانية على امتداد خط دوراند، وفق ما أعلنه المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد، الذي أكد أنّ تلك العمليات جاءت “رداً على استفزازات وانتهاكات متكررة من الجانب الباكستاني”.
باكستان تعلن “نفاد الصبر”
أعلن وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، من جهته أن بلاده “لن تلتزم الصمت بعد الآن”، مؤكداً أن “باكستان دخلت مرحلة الحرب المفتوحة”. واتهم حكومة طالبان بأنها “تحتضن إرهابيين وتنشئ منصات لتصدير الإرهاب إلى جيرانها”، قائلاً إنها “تعمل كوكيل لدول أخرى في المنطقة”، في إشارة مبطنة إلى الهند.
ردود فعل إقليمية ودولية
الهند سارعت إلى التنديد بالضربات الجوية الباكستانية، إذ قال الناطق باسم خارجيتها، راندهير جيسوال، إن الهجمات أودت بحياة مدنيين بينهم نساء وأطفال خلال شهر رمضان، معتبراً إياها “محاولة مكشوفة لصرف الأنظار عن إخفاقات باكستان الداخلية”.
وفي ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة العنف، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الطرفين إلى الالتزام بالقانون الدولي ومراعاة حماية المدنيين. وقال في بيان نُقل عبر المتحدث الرسمي ستيفان دوجاريك إنّ “الوضع يستدعي ممارسة أعلى درجات ضبط النفس لتجنب إزهاق المزيد من الأرواح”.
دعوات للتهدئة ومبادرات وساطة
من جهتها، حثّت إيران الجانبين على معالجة خلافاتهما بالحوار، وأعرب وزير خارجيتها عباس عراقجي عن استعداد طهران “لبذل أي جهد يسهم في تسهيل حوار بنّاء بين كابول وإسلام آباد”. كما عرضت كلّ من روسيا والصين التوسط لإنهاء المواجهات، داعيتين إلى وقف فوري للهجمات عبر الحدود.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، ماو نينغ، إن بكين “تشعر بقلق بالغ من تدهور الأوضاع على الحدود الأفغانية الباكستانية، ومستعدة للقيام بدور بنّاء في تخفيف التوتر”. أما الخارجية الروسية فعبّرت عن “جهوزيتها لتوفير مسار دبلوماسي للحوار إذا وافق الطرفان”.
نُذر أزمة إنسانية جديدة
يرى مراقبون أن استمرار المواجهات قد يهدد بموجة نزوح جديدة في المنطقة التي تستضيف ملايين اللاجئين الأفغان داخل باكستان منذ عقود، في وقت تواصل فيه إسلام أباد إجراءات إعادة أعداد كبيرة منهم إلى بلادهم.
وفي ظل تطوراتٍ تتسارع بين يوم وآخر، تبدو المنطقة مقبلة على اختبار جديد لأمنها الهشّ واستقرارها. وبين القصف المتبادل ودعوات التهدئة، تبقى معاناة المدنيين هي الوجه الأوضح لصراعٍ يبدو أنه خرج عن نطاق السيطرة.
اقرأ المزيد
اشتباكات عنيفة على الحدود بين أفغانستان وباكستان تثير القلق الدولي












