وطن-في تطوّر قضائي يعيد تسليط الضوء على حدود حرية التعبير والعقوبات السياسية في الولايات المتحدة، تقدّمت أسرة المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيز، بدعوى مدنية ضد إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، متهمةً إياها بانتهاك حقوقها الدستورية من خلال العقوبات التي فرضت عليها بسبب مواقفها المنتقدة لإسرائيل والشركات الداعمة لعملياتها العسكرية في غزة.
خلفية القضية
وجدت ألبانيز، المعروفة بتقاريرها حول الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية، نفسها منذ يوليو/تموز الماضي خاضعة لعقوبات أمريكية وصفتها بأنها “خنقت حياتها المهنية والشخصية”. فقد منعتها تلك الإجراءات من دخول الولايات المتحدة وجمّدت ممتلكاتها فيها، بما في ذلك منزلها في واشنطن، كما قطعت عنها إمكانية التعامل مع النظام المالي الدولي.
ويشير نص الدعوى، المقدم أمام المحكمة الفيدرالية في مقاطعة كولومبيا، إلى أن قرارات الإدارة الأمريكية السابقة مثّلت انتهاكًا للتعديلات الدستورية الأول والرابع والخامس، عبر مصادرة ممتلكات ألبانيزي دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، فضلًا عن تقييد حرية تعبيرها. وطالبت العائلة المحكمة باعتبار تلك العقوبات غير دستورية.
أطراف الدعوى وتداعياتها
قدّم الدعوى زوجها ماسيميليانو كالي، وهو خبير اقتصادي بارز في البنك الدولي يعمل حاليًا في تونس، نيابةً عن نفسه وعن زوجته وابنتهما الأمريكية الجنسية. أما ألبانيز وزوجها فهما مواطنان إيطاليان، ما يجعل المسألة متشابكة بين قوانين ثلاث دول مختلفة.
وأوضحت الدعوى أن ألبانيز تعرّضت لـ”معاناة هائلة” بسبب العقوبات، لا سيما وأنها مرتبطة بعلاقات مهنية وعائلية في الولايات المتحدة. وقالت في تصريح لصحيفة نيويورك تايمز: “هناك تجريم غير معلن لأمومتي وروابط أسرتي… أشعر أن أسرتي تُعاقب على ارتباطها بي”.
خلفية العقوبات وسياقها الدولي
تأتي هذه العقوبات على خلفية ما تراه واشنطن تجاوزًا من ألبانيز، في مواقفها من الحرب الإسرائيلية على غزة، التي أودت بحياة أكثر من 72 ألف فلسطيني وفق تقديرات أممية حتى موعد فرض العقوبات. وقد وصفت ألبانيزي، في سلسلة تقارير أممية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تلك الحرب بأنها “إبادة جماعية”، واتهمت 63 دولة بالتواطؤ عبر دعمها السياسي أو العسكري لإسرائيل.
وفي مقابلة سابقة، أكدت أن الدول الأوروبية الكبرى مثل إيطاليا وألمانيا وفرنسا تواصل توفير الغطاء الدبلوماسي والعسكري لإسرائيل رغم “الأدلة الساحقة على الانتهاكات الجسيمة في غزة والضفة الغربية”.
البعد القانوني والإنساني
يحمل هذا الملف بعدًا معقدًا بسبب طبيعة النظام المالي الأمريكي، الذي يملك نفوذًا واسعًا على حركة الأموال عالميًا، ما يجعل أي شخص خاضع للعقوبات الأمريكية شبه معزول ماليًا حتى خارج أراضيها. بالنسبة لألبانيزي، التي ترتبط بابنة تحمل الجنسية الأمريكية، فإن هذه العقوبات لم تقتصر على تقييد سفرها أو مصادرة ممتلكاتها، بل امتدت لتؤثر في حياتها اليومية وتعليم ابنتها وعلاقاتها الأسرية.
ويرى مراقبون أن القضية لا تقتصر على نزاع قانوني حول العقوبات، بل تُثير تساؤلات حول حدود حرية التعبير لموظفي الأمم المتحدة عندما تتعارض آراؤهم مع مواقف دول كبرى.
رسالة إنسانية
بين الطابع القانوني والانعكاس الإنساني، تقف ألبانيزي كصوت مثير للجدل يدفع ثمن مواقفه الأخلاقية. فالقضية، على الرغم من بعدها القانوني المعقد، تطرح سؤالًا أوسع: هل يمكن للمدافعين عن حقوق الإنسان أن يعبروا بحرية عن مواقفهم دون أن يصبحوا هدفًا لعقوبات سياسية؟
وفي وقت تستمر فيه معاناة المدنيين في غزة، تبقى قضية ألبانيزي تذكيرًا بأن الدفاع عن العدالة قد يكلّف الشخص أكثر من مجرد منصبه، بل حياته بأكملها.
قد يعجبك
فرانشيسكا ألبانيزي تتهم قوى دولية بالتواطؤ في جرائم غزة وتواجه حملة لإسكاتها












