وطن-في خضم الجدل المتواصل حول شبكة العلاقات التي أحاطت بالممول الأميركي الراحل جيفري إبستين، عاد اسم إيلون ماسك، رئيس «تسلا» و«سبيس إكس»، إلى دائرة الأضواء من جديد بعد نشر وزارة العدل الأميركية حزمة ضخمة من وثائق التحقيق التي تضمنت مراسلات متبادلة بين ماسك وإبستين، ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة تلك الاتصالات ومداها.
وعلى الرغم من أن ظهور اسم رجل الأعمال الأميركي لا يعني قانونًا تورطه في أي مخالفات، فإن التوقيت الحساس لهذه الوثائق ألقى به في موقف دفاعي صعب، خصوصًا أنه دأب خلال الأشهر الماضية على الانتقاد العلني لشخصيات سياسية واقتصادية ارتبطت بعلاقات مع إبستين، المولود عام 1953 والذي أُدين عام 2008 بتهم تتعلق بالاستغلال الجنسي لقاصرات، قبل أن تُعاد محاكمته بتهم الاتجار بالبشر عام 2019، وينتهي به الأمر ميتًا داخل محبسه في العام نفسه.
رسائل ومواعيد غامضة
تشير الوثائق إلى أن المراسلات بين ماسك وإبستين استمرت أكثر من عام، وشملت ترتيبات محتملة لزيارات واجتماعات، من بينها دعوة متبادلة إلى جزيرة إبستين الخاصة، بالإضافة إلى لقاء مقرَّر في عام 2013 بمقر شركة «سبيس إكس» للحديث خلال مأدبة غداء رسمية. كما تضمنت الرسائل التي تبادلها ماسك تساؤلات عن حفلات ينوي إبستين تنظيمها خلال عطلة الميلاد عام 2012، كتب فيها الملياردير: «كنت أعمل إلى حدود الجنون، وأحتاج إلى بعض الوقت للراحة والانطلاق».
وفي الوقت نفسه، كشفت رسائل لاحقة أن إيلون ماسك عبّر عن رغبته في «تجربة الأجواء الصاخبة» بعد انشغاله الطويل بالعمل، بينما أكد في مواضع أخرى أنه رفض زيارة الجزيرة وأنه قطع علاقته بإبستين بعد أن اكتشف ماضيه المثير للجدل. ويبدو أن الرسائل التي طلب فيها تحديد موعد «للذهاب إلى الجزيرة في الثاني من يناير» كانت محل جدل خاص، إذ تتناقض مع تصريحاته العلنية بأنه «رفض تمامًا أي دعوة للحضور».
جيمبال ماسك… الاتهامات تطال العائلة
لم يكن الشقيق الأصغر كيمبال ماسك بمنأى عن هذا السجال؛ إذ بيّنت الوثائق رسائل بينه وبين إبستين تتعلق بعلاقة عاطفية حذّره أحدهم من إساءة التعامل فيها، وردّ عليها بقوله: «وصلت الرسالة بوضوح ;)»، وهي العبارة التي وُضِع اسم إبستين في نسختها. وبعد سنوات، كتب إبستين في رسالة أخرى: «قدّمت فتاة أخرى إلى كيمبال، وهو مسرور بذلك».
لكن كيمبال نفى تمامًا أن يكون إبستين قد عرّفه على شريكته، موضحًا أنه التقى «تلك السيدة، البالغة من العمر ثلاثين عامًا حينها، عبر صديق مشترك، لا عبر إبستين»، وأن اللقاء الوحيد بينهما جرى في مكتب إبستين نهارًا في نيويورك. وأكد تضامنَه مع ضحايا الاستغلال الجنسي قائلاً إن «قلبه مع كل من تعرّض لأي اعتداء أو تحرش».
إثر نشر تلك الوثائق، أعلن القائمون على «مهرجان بيرنينغ مان» أن كيمبال ماسك لم يعد عضوًا في مجلس إدارتهم، مشيرين إلى أن القرار مرتبط «بأولوياته العملية» وكان «سابقًا على التسريبات» الأخيرة.
دفاع متأخر وتشكيك متزايد
منذ مطلع العام، استخدم إيلون ماسك منصته «إكس» لتكرار موقفه الرافض لأي تواطؤ مع إبستين، مؤكداً أنه «ضغط من أجل نشر الملفات الكاملة» وأن تعامله مع الرجل «كان محدودًا جدًا». وأوضح أنه رفض السفر على متن طائرة إبستين المعروفة باسم «لوليتا إكسبريس»، لكنه أقرّ بأن مراسلاته القديمة «قد تُفسَّر على نحو خاطئ».
وأضاف في إحدى رسائله: «ما يهمني الآن هو محاسبة كل من تورط في استغلال الفتيات القاصرات، فلا بد من تحقيق العدالة».
غير أن محاولات ماسك لتبني خطاب داعم للضحايا قوبلت بتحديات متتالية. فحين أعاد نشر تغريدة للناشط الحقوقي محمد صفا الذي كتب: «لم أر في حياتي المهنية شيئًا يشبه ملفات إبستين»، ردّ صفا عليه مباشرة قائلًا: «الثورة التي تتحدث عنها يجب أن تكون ضد كل من ورد اسمه في تلك الملفات، بما في ذلك أنت». وأوضح لاحقًا أن ماسك «يحاول الظهور في صف الأصوات الحقوقية بينما يوظف منصته للتأثير في الرأي العام بشأن قضيته».
انتقادات من الخارج
توالت ردود الفعل أيضًا من شخصيات عامة. فقد اعتبر فريد لامبرت، رئيس تحرير موقع «إلكتريك» المتخصص في المركبات الكهربائية، أن منصة «إكس» أصبحت «ساحة دعائية» بيد صاحبها، مضيفًا أن النقاش حول فضيحة إبستين «يفقد نزاهته عندما يستخدم القائم عليها المنصة لتبرئة نفسه».
وفي سياق مشابه، أشار سكوت بيركوفيتز، مؤسس منظمة RAINN لمناهضة العنف الجنسي، إلى أن مساهمة ماسك في دعم ضحايا الاعتداء يمكن أن تكون فعلية فقط إذا اتجه نحو إصلاحات جوهرية في منتجات الذكاء الاصطناعي التابعة لشركته «xAI»، بعد الانتقادات التي وُجّهت لها بسبب محتوى غير لائق أنتجه روبوت الدردشة «غروك». وقال بيركوفيتز: «إذا أراد ماسك المساعدة فعلاً، فبوسعه جعل أنظمته نموذجًا للأمان وضمان عدم إنتاج صور أو محتوى ينتهك الخصوصية أو يستغل الأفراد».
بين الوثائق المسربة والتصريحات المتكررة، يقف إيلون ماسك أمام معركة مزدوجة: تبرئة اسمه من إرث ارتباطه بإبستين، وإثبات صدق نواياه في مناصرة ضحايا الاستغلال. إلا أن الجدل الدائر يذكّر مجددًا بأن قضية إبستين لم تعد مجرد ملف قضائي مطويّ، بل مرآة لمدى تعقيد العلاقة بين القوة، المال، والمسؤولية الأخلاقية في عالم الأعمال والسياسة والتقنية الحديثة.
اقرأ المزيد
خطة إبستين الشيطانية: كيف حاول جيفري إبستين اختراق دائرة إيلون ماسك عبر شقيقه كيمبال؟
«مقرف تمامًا».. إيلون ماسك ينتقد نيويورك تايمز بسبب توصيف البيدوفيليا كاضطراب لا جريمة












