وطن-في ظل تصاعد التوترات في منطقة الخليج، تكشّفت تفاصيل جديدة حول تحركات دبلوماسية وعسكرية حساسة سبقت المواجهات الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتكشف هذه التطورات عن مشهد إقليمي معقد تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الهواجس الأمنية، وسط محاولات لاحتواء الأزمة ومنع توسّعها إلى مواجهة أوسع.
تحركات أمريكية وسعودية خلف الكواليس
أفادت مصادر مطلعة أن السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام قام بزيارة غير معلنة إلى المملكة العربية السعودية في أواخر فبراير الماضي، حاملاً رسالة من الإدارة الأمريكية آنذاك تتعلق بإمكانية العمل العسكري ضد إيران. ووفق المعلومات التي تسرّبت، فإن اللقاء الذي جمع غراهام بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جاء في وقت كانت الولايات المتحدة تضع الخطط النهائية لعملية هجومية، رغم استمرار المساعي الدبلوماسية مع طهران.
وفي حين لم تُكشف الغاية من الزيارة آنذاك، إلا أن مصادر أمريكية وعربية تحدثت لاحقًا عن أن الرياض لم تُبدِ معارضة شديدة للفكرة، ما اعتُبر مؤشرًا على أن المملكة بدأت تقترب من موقف داعم – ولو بحذر – لأي تحرك عسكري قد يستهدف طهران.
بين الدبلوماسية والتصعيد
كانت المملكة العربية السعودية في مراحل سابقة، من أشد الداعمين للمسار الدبلوماسي الهادف إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني وتخفيف التوترات. إلا أن الضربات التي نُسبت إلى إيران ضد منشآت ومواقع في الخليج ساهمت في تغيّر المزاج الإقليمي. وأصدرت الرياض بيانًا رسميًا أدانت فيه ما وصفته بـ”الهجمات الإيرانية الوحشية” التي تُهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وفي خضم هذه التطورات، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا هاتفيًا مع ولي العهد السعودي، لم تُكشف فحواه، وسط توقعات بأن الاتصال تناول ترتيبات المرحلة المقبلة من التصعيد.
تصاعد المواجهة وتداعياتها
فتح الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران، الباب أمام موجة عنف متبادلة، إذ ردّت طهران بإطلاق مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة نحو دول الخليج. وبفضل أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، تمكنت دول المجلس من إسقاط القسم الأكبر منها، غير أن بعض الطائرات المسيّرة من طراز “شاهد” نجحت في إصابة أهداف مدنية وعسكرية، من بينها فنادق في دبي وقواعد أمريكية.
وتضررت كل من الإمارات والبحرين والكويت بشكل واضح، بينما تعرّضت السعودية أيضًا لهجمات متفرقة. وقد أودت الضربات الإيرانية بحياة ثلاثة جنود أمريكيين وأصابت خمسة آخرين بجروح خطيرة، فيما أسفر سقوط صاروخ إيراني على مدينة بيت شيمش الإسرائيلية عن مقتل تسعة أشخاص. وفي المقابل، أعلنت إيران أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على أراضيها أدت إلى مقتل نحو 200 شخص، بينهم عدد من كبار المسؤولين، من ضمنهم المرشد الأعلى علي خامنئي، بحسب روايتها الرسمية.
معضلة الخليج: الانخراط أم الحذر؟
تكشف المعلومات أن واشنطن كانت قد فاتحت الرياض منذ بداية العام حول إمكانية التعاون العسكري في أي عملية مستقبلية ضد إيران، مؤكدة أن مثل هذا الدعم من شأنه تقليص الخطر الإيراني على شركاء الولايات المتحدة في المنطقة. ولم يتضح ما إذا كانت الإدارة الأمريكية سعت إلى التزام علني من دول الخليج أم إلى تفاهم غير معلن، لكن مصادر أمريكية أكدت أن تجاوبًا جزئيًا تحقق بالفعل.
وبينما تعاني واشنطن وتل أبيب من نقص في صواريخ الاعتراض الدفاعية من طراز “ثاد” و”باتريوت” و”ديفيد سلينغ”، طُلب من السعودية تقديم دعم لأنظمة الدفاع في إسرائيل، إلا أن المملكة امتنعت عن ذلك في حينه. ومع بدء إيران استهداف الأراضي السعودية مباشرة، يُعتقد أن الرياض باتت تستخدم منظوماتها الدفاعية المتطورة لصد الهجمات.
وتواجه دول الخليج اليوم معادلة صعبة: المشاركة في عمليات هجومية قد تجرّها إلى دائرة الانتقام الإيراني، أو الاكتفاء بالدفاع وتحمّل احتمالات التصعيد. وحتى الآن، لم تتعرض البنية التحتية النفطية لهجمات مباشرة، غير أن أي تغيير في الموقف قد يفتح الباب أمام ردود أكثر قسوة من طهران.
كما حذّر محللون من أن استمرار التصعيد قد يدفع مجلس التعاون الخليجي إلى إعادة النظر في سياسته الدفاعية، والسماح للقوات الأمريكية بحرية أكبر في تنفيذ عمليات هجومية انطلاقًا من أراضيه. ويرى مراقبون أن إيران بدورها تضغط على دول الخليج لتحديد موقف واضح، إما بالانخراط في التصعيد، أو اتخاذ مسافة حذرة تحفظ استقرار المنطقة.
نهاية مفتوحة وأفق غامض
تبقى المنطقة على صفيح ساخن، إذ يلوح شبح مواجهة شاملة قد يمتد أثرها إلى ما وراء حدود الخليج. وبين حسابات التحالفات ومخاوف الانزلاق إلى حرب مفتوحة، تحاول العواصم الخليجية موازنة أمنها القومي مع التزاماتها الإقليمية والدولية. وفي ظل ضبابية المشهد، يبدو أن الخيار الأسلم يبقى في التمسّك بقنوات التهدئة، فثمن التصعيد – كما أثبتت التطورات الأخيرة – يدفعه الجميع.
اقرأ المزيد
نظام المهداوي يكتب: هل يوقف ترامب الحرب.. وبدون اسقاط النظام؟!
خطة واشنطن الكبرى.. هل يصبح نفط إيران وفنزويلا مفتاح الهيمنة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين؟












