وطن-رحل الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد عن عمر ناهز التاسعة والستين، بعدما خاض مسيرة سياسية مثيرة، صعد فيها من ماضٍ متواضع كابن حداد ريفي إلى أن أصبح أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل على الساحة الدولية، ورمزاً لوجه متشدد من الثورة الإيرانية.
بدايات متواضعة ومسار أكاديمي وسياسي
وُلد أحمدي نجاد في الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 1956 في مدينة گرمسار الواقعة جنوب طهران، ويُعد الرابع بين سبعة أبناء لأسرة بسيطة. في مقتبل شبابه، أظهر تفوقاً دراسياً مكّنه من دخول جامعة العلوم والتكنولوجيا في طهران، حيث درس الهندسة ثم نال درجة الدكتوراه في تخطيط المرور، قبل أن ينخرط في النشاط الطلابي الإسلامي في سبعينيات القرن الماضي.
عقب الثورة الإيرانية عام 1979، برز نشاطه داخل جمعية الطلبة الإسلامية، وانضم لاحقاً إلى صفوف قوات البسيج المتطوعة خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث شارك في عمليات ميدانية مع وحدات خاصة تابعة للحرس الثوري. وبانتهاء الحرب، انتقل إلى العمل الإداري والسياسي، فشغل مناصب محلية من بينها قائمقامية ومحافظاً لإقليم أردبيل عام 1994، إلى أن أُعيق مساره مؤقتاً بوصول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى السلطة سنة 1997، فعاد أحمدي نجاد مجدداً إلى ميدان التدريس وإدارة تجمعات شبابية محافظة.
من رئيس بلدية طهران إلى قصر الرئاسة
عام 2003، برز اسم أحمدي نجاد كمرشح لتيار “تحالف بناة إيران الإسلامية”، وهو تجمع محافظ دعم تعيينه رئيساً لبلدية طهران بعد فوزه في انتخابات المجلس البلدي. عُرف في تلك الفترة بنمطه الشخصي المتقشف؛ إذ كان يتنقل سيراً على الأقدام أحياناً أو يقضي أياماً مع عمال النظافة في الشوارع، مما كرّسه رمزاً للقرب من الطبقات الشعبية.
لكن خلف هذه الصورة البسيطة كان الرجل يحمل فكراً عقائدياً متشدداً، تجلى في حملاته ضد مظاهر الانفتاح الاجتماعي ومنعه الإعلانات الغربية، وفرضه قيوداً صارمة على اللباس والسلوك العام. هذه الصرامة، إلى جانب دعمه القوي من قبل الحرس الثوري والمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، جعلت منه وجهاً مفضلاً للمحافظين في انتخابات الرئاسة عام 2005.
فوز مفاجئ وخطاب شعبوي
فاجأ أحمدي نجاد العالم عندما حصد فوزاً كاسحاً على الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، في نتيجة قلبت التوقعات. لم يُعرف عنه أنه أنفق أموالاً على حملته، غير أن شبكات المحافظين الدينية والمناطقية حشدت بقوة لصالحه. رفع شعارات العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية قائلاً إنه سيعيد توزيع عائدات النفط على الفقراء.
إلا أن سياساته الاقتصادية اتسمت بالعشوائية وسوء الإدارة، إذ أدى الإنفاق المفرط على مشاريع شعبوية مثل “صندوق المحبة” لدعم زواج الشباب ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 60 في المئة، إلى تضخم جامح وهجرة رؤوس الأموال نحو الخارج، خصوصاً إلى دبي، ما تسبب بانكماش اقتصادي وتراجع معدلات النمو، في وقت استفاد فيه قادة الحرس الثوري من عقود حكومية ضخمة شملت قطاعات النفط والاتصالات والبنية التحتية.
التصعيد الخارجي والجدل الدولي
على الصعيد الدبلوماسي، خاض أحمدي نجاد مواجهات حادة مع الغرب، مدافعاً بشراسة عن البرنامج النووي الإيراني ومؤكداً أنه “حق وطني لا يمكن التنازل عنه”. في خطاباته، لم يتردد في مهاجمة إسرائيل والولايات المتحدة، بل شكك في أحداث الهولوكوست ووصفها بأنها “أسطورة”، ما دفع ببلاده إلى مواجهة عزلة دولية متزايدة.
في عام 2006، نُقل ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي إثر عدم تعاونها الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومع ذلك استمر أحمدي نجاد في لهجته التحدّية قائلاً إن “الأمة الإيرانية لن ترضخ للتهديد”، في وقت بدأت فيه العقوبات تتسع وتشدد الخناق على الاقتصاد الوطني.
احتجاجات الداخل وتراجع الشعبية
مع إعادة انتخابه عام 2009، وسط اتهامات واسعة بتزوير النتائج على حساب المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، شهدت إيران موجة احتجاجات غير مسبوقة فيما عُرف لاحقاً بـ”الحركة الخضراء”. قُمعت التظاهرات بعنف من قبل قوات البسيج، واعتُقل المئات من قادة المعارضة وأنصارها، فيما استخدم أحمدي نجاد الملف النووي مجدداً لاستعادة تماسك الداخل وتحويل الأنظار عن الأزمة الداخلية.
وفي الأشهر التالية، تصاعدت التوترات الخارجية بعد الكشف عن منشأة تخصيب سرية قرب مدينة قم، ليتراجع أحمدي نجاد عن اتفاق مبدئي لنقل جزء من اليورانيوم الإيراني إلى الخارج. ومع اقتراب الذكرى الحادية والثلاثين للثورة عام 2010، أعلن نجاح بلاده في إطلاق قمر تجريبي حمل كائنات حية، رافق ذلك حديث عن تطوير طائرات مسيّرة هجومية. ثم صرح أمام أنصاره بأن “إيران أصبحت دولة نووية” قادرة على تصنيع القنبلة “إن أرادت ذلك”، ما أجج حالة القلق الدولي وأضعف في المقابل زخم المعارضة الداخلية.
النهاية السياسية والعزلة
انتهت ولاية أحمدي نجاد الثانية عام 2013 بانتخاب الرئيس المعتدل حسن روحاني، الذي أعاد بلاده إلى طاولة المفاوضات وأبرم الاتفاق النووي مع القوى الكبرى. أما سلفه، فابتعد تدريجياً عن دائرة صنع القرار، محاولاً الظهور بمظهر الناقد الداخلي للنظام دون استعادة نفوذه السابق.
جذور وهوية مثيرة للجدل
أشارت تقارير صحافية في عام 2009 إلى أن عائلته كانت تحمل في الأصل اسم “سبورجيان”، وهو لقب يُعتقد أنه من أصول يهودية، قبل أن تغيّره إلى “أحمدي نجاد” حين كان في الرابعة من عمره. وقد فسّر بعض الباحثين حدّة مواقفه ضد إسرائيل بأنها محاولة مبالغ فيها للتنصّل من تلك الأصول المفترضة، رغم عدم تأكيد هذا الادعاء رسمياً.
إرث متناقض ونهاية غامضة
يُثير إرث أحمدي نجاد السياسي انقساماً عميقاً بين من يرى فيه زعيماً شعبوياً متقشفاً تحدّى الغرب، ومن يعتبره مسؤولاً عن إفقار شعبه وتدهور موقع إيران الاقتصادي والدبلوماسي. لكنه بلا شك ترك بصمته على مرحلة مفصلية أعادت رسم صورة إيران في العالم.
وفي فبراير/شباط 2026، أُعلن عن مقتله إثر ضربة استهدفت منزله شمال شرقي طهران خلال هجوم أمريكي–إسرائيلي، لينتهي بذلك فصل من أكثر فصول السياسة الإيرانية الحديثة صخباً وإثارة للجدل.
ترك أحمدي نجاد وراءه زوجةً وثلاثة أبناء، فيما يبقى اسمه لدى الإيرانيين والعالم رمزاً للتناقض بين الشعارات الثورية ومحطات الفشل السياسي.
اقرأ المزيد
خطة واشنطن الكبرى.. هل يصبح نفط إيران وفنزويلا مفتاح الهيمنة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين؟
اللحظات الأخيرة قبل الانفجار.. دور ليندسي غراهام في ضم الرياض للتحالف العسكري ضد إيران












