دخل دونالد ترامب هذه الحرب وهو يعتقد أن ضربةً خاطفة كفيلة بكسر إرادة طهران. ففي حساباته، كان اغتيال خامنئي والقيادة في الصف الأول سيُحدث صدمةً استراتيجية تدفع النظام إلى الاستسلام، أو على الأقل تفتح الباب أمام انتفاضة داخلية تُسقطه من الداخل. وفي أسوأ السيناريوهات، كان يُراهن على تفككٍ داخلي يُستثمر عبر قنوات الضغط والتحريض.
لكن الأمور لم تسر وفق هذا التصور. لم تستسلم إيران، ولم ينهَر النظام، بل خرجت جماهير هائلة غاضبة تندد وتطالب بالانتقام. وهنا بدأت الحسابات تتغير.
ترامب، بطبعه السياسي، يفضّل الحروب السريعة ذات النتائج الواضحة والكلفة الأمريكية المحدودة. تجربته السابقة من اغتيال قاسم سليماني إلى ضربات محدودة في اليمن إلى عملية خطف الرئيس الفنزويلي رسّخت لديه قناعة بأن الصدمة العسكرية المركزة قادرة على فرض وقائع سياسية من دون انزلاق إلى حرب استنزاف. غير أن المواجهة الحالية تحمل ملامح مختلفة؛ فهي تتجاوز الضربة التكتيكية إلى احتمالات اشتعال إقليمي واسع.
يدرك ترامب أن الرأي العام الأمريكي ليس مؤيداً لحرب طويلة في الشرق الأوسط، وأن الحزب الذي يُدخل البلاد في مواجهة مفتوحة يدفع دائماً ثمنًا سياسيًا في الانتخابات النصفية.
كما يعلم أن أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة – خصوصًا عبر مضيق هرمز – قد يرتد مباشرة على الاقتصاد الأمريكي الضعيف، وهو العامل الأكثر حساسية في المزاج الانتخابي.
لذلك، فإن خيار وقف الحرب قد يصبح مغريًا سياسيًا إذا استطاع تسويقه داخليًا باعتباره “إنجازًا بأن يزعم”: تم تحييد القيادة، تم ضرب البرنامج النووي، تم تقويض القدرات الصاروخية، والآن تُفتح نافذة تفاوض مع قيادة جديدة. بهذه الصيغة يمكن تحويل التصعيد إلى ورقة انتخابية بدل أن يتحول إلى عبء.
غير أن الحسابات الإسرائيلية لا تتطابق تمامًا مع هذا المنطق. فتل أبيب تنظر إلى النظام الإيراني – أيًا كان رأسه – باعتباره تهديدًا وجوديًا. ومن هذا المنظور، فإن اغتيال شخصية أو تدمير منشأة لا يكفي لإنهاء الخطر ما لم يُفضِ إلى تغيير جذري في بنية النظام وقدراته. وهنا يكمن الاصطدام المحتمل: بين رغبة أمريكية في احتواء الحرب سريعًا، ورغبة إسرائيلية في استثمارها حتى النهاية.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتجه الأمور نحو تسوية سريعة تحفظ ماء الوجه للجميع، أم أن ديناميات الرد والرد المضاد ستدفع المنطقة إلى مسار أطول وأكثر كلفة؟
ما هو مؤكد أن هذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبارٌ لإرادة سياسية داخل واشنطن وتل أبيب، ولكل طرف حساباته ومخاوفه فيما الطرف الإيراني يخوض حرباً انتقامية مفتوحة بدون حسابات.
اقرأ أيضاً:












