وطن-في وقت تتكاثر فيه الأزمات الإقليمية والتجاذبات بين القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى في الخليج، برز ملف العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في واجهة المشهد، إثر تسريبات تحدثت عن توتر غير مسبوق بين البلدين الحليفين. وفي خضم هذه الأجواء، صرّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأن “أصدقاء من أبوظبي يراقبونه”، في إشارة فهمت على أنها تعبير عن تداخل المصالح وتبدّل موازين التحالفات في المنطقة.
جذور التوتر
تعود فصول القصة، بحسب ما نُقل عن مسؤولين مطلعين، إلى نوفمبر الماضي، حين أجرى ترامب اتصالًا هاتفياً مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لمناقشة تفاصيل محادثة خاصة جمعته بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وتوضح المصادر أن ترامب ناقل للشيخ محمد أن ولي العهد السعودي طلب منه فرض عقوبات أمريكية على الإمارات، بزعم دعمها مجموعة مسلّحة منخرطة في الصراع السوداني.
أثار الخبر غضب القيادة الإماراتية، إذ رأت في تلك الخطوة محاولة للنيل من شراكة تاريخية قامت على التعاون الوثيق منذ أعوام. وبحسب مصادر أخرى، فإن ولي العهد السعودي لم يؤكد هذا الطلب رسميًا، غير أن العلاقات بين أبوظبي والرياض شهدت بالفعل توتراً ملحوظاً ثم تحول الخلاف إلى شأن علني في الأسابيع التالية.
صداقة متحوّلة
على الرغم من تجدد الجدل حول طبيعة العلاقة بين البلدين، فإن الروابط بين القيادتين تعود إلى العام 2015، حين بدأ التعاون الاستراتيجي يتخذ منحنى جديداً مع تولي الأمير محمد بن سلمان حقيبة الدفاع في السعودية. ووفق الباحثة المتخصصة في شؤون الخليج بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تشينزيا بيانكو، فإن الشيخ محمد بن زايد رأى في الأمير محمد بن سلمان حليفاً طموحاً يمكن من خلاله صياغة رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة، غير أن تقارباً بهذا الحجم يجعل حتى الخلافات الصغيرة تبدو كبيرة.
ومع تصاعد الجدل، أكدت الإمارات رسمياً هذا الأسبوع رفضها القاطع للاتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري لأي طرف في السودان، مشددةً على أن دورها يقتصر على الإغاثة الإنسانية ودعم مساعي وقف إطلاق النار.
الحضور الدولي والاعتماد المتبادل
على الرغم من العواصف السياسية، حافظت الإمارات على موقعها في صدارة مؤشرات التأثير العالمي. فقد حلّت مجدداً ضمن قائمة الدول العشر الأولى في “مؤشر القوة الناعمة العالمي 2026” الصادر عن مؤسسة “براند فاينانس”، وهو إنجاز يكرّس صورتها كدولة تتبنى سياسة خارجية متوازنة. وأكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن هذا التقدير الدولي يأتي ثمرة رؤية ثابتة تقوم على المرونة في الأداء والوضوح في الأهداف.
وفي السياق ذاته، يوضح الدكتور محمد الزغول، الباحث في مركز الإمارات للسياسات، أن الدبلوماسية الإماراتية تستند إلى مبدأ الحوار لحل النزاعات بالوسائل السلمية، وتسعى من خلال مبادراتها إلى خفض التوترات وتهيئة بيئة إقليمية مستقرة، سواء في ملفات الشرق الأوسط أو الصراعات الدولية مثل أزمة أوكرانيا. وأضاف أن الجهود الإماراتية في العمل الإنساني والتنمية أسهمت في تخفيف معاناة المجتمعات الأكثر هشاشة في عشرات الدول.
شراكة أمريكية واستثمارات متنامية
وفي واشنطن، وصف المتحدث باسم وزارة الطاقة الأمريكية، بن ديتدريش، التعاون مع الإمارات بأنه “شراكة موثوقة”، مشيراً إلى استمرار التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية وتطوير بنية تحتية رقمية تدعم مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وأكد أن العلاقات في هذا المجال تمتد إلى تبادل الخبرات وتعزيز المؤسسات، بما يخدم أمن الطاقة واستدامتها في البلدين.
موقع اقتصادي عالمي
على الصعيد الاقتصادي، نجحت الإمارات في تحويل مكانتها كمنصة تجارية عالمية عبر توسيع شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي أطلقتها في سبتمبر 2021. ووقّعت الدولة حتى الآن اتفاقيات مع 24 دولة في خمس قارات، من بينها 18 اتفاقية مفعّلة و6 أخرى قيد التوقيع الرسمي.
وقال وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية، الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، إن التجارة الخارجية غير النفطية واصلت تسجيل معدلات نمو مرتفعة، إذ بلغت قيمتها 3.8 تريليونات درهم في عام 2025، بزيادة تجاوزت 26%، مقارنة بمتوسط نمو التجارة العالمية البالغ نحو 7%. وأوضح أن الصادرات غير النفطية ارتفعت بأكثر من 45%، متجاوزة الأهداف المعلنة لخطة 2031 لتصل إلى 813 مليار درهم.
هذه المؤشرات تؤكد نجاح استراتيجية تنويع الاقتصاد وتعزيز الشراكات طويلة الأمد، وترسخ صورة الإمارات مركزاً عالمياً للتجارة والأعمال، ومقصداً موثوقاً للاستثمار الدولي.
ختام
بين التحولات السياسية في المنطقة وتبدلات التحالفات، تواصل الإمارات ترسيخ حضورها كدولة تتعامل مع التحديات عبر الدبلوماسية والواقعية، وتوازن بين علاقاتها الإقليمية وشراكاتها العالمية. فبينما يتبدل المشهد من حولها، تبقى رسالتها المعلنة كما يراها كثيرون: التنمية والسلام ركيزتان لا غنى عنهما لبناء الغد.
قد يعجبك
“طبول الحرب العالمية الثالثة؟.. رد فعل طهران بعد اغتيال خامنئي وعائلته بضربة مشتركة
تسريبات مارالاغو.. ترامب يفجر قنبلة بين الحلفاء: “السعودية طلبت فرض عقوبات على الإمارات!”












