وطن-في تصعيد جديد يهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية، توقفت أكبر منشآت النفط والغاز في السعودية وقطر عن العمل يوم الاثنين 2 مارس 2026، بعد سلسلة من الهجمات بطائرات مسيّرة نُسبت إلى إيران، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من عام.
اضطراب إقليمي واسع
الهجمات جاءت بعد يومين فقط من ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع داخل إيران، في ما بدا أنه فصل جديد من التوتر الإقليمي الذي يمتد تأثيره إلى قطاع الطاقة. وأكدت طهران أن ضرباتها كانت رداً مباشراً على تلك الهجمات، فيما نفت استهدافها للبنى التحتية النفطية بشكل مقصود.
السعودية توقف أكبر مصافيها وقطر تعلّق إنتاج الغاز المسال
شركة “أرامكو” السعودية أغلقت، كإجراء احترازي، مصفاة رأس تنورة العملاقة الواقعة على الساحل الشرقي للمملكة بعد اندلاع حريق ناجم عن طائرات مسيّرة يُعتقد أنها إيرانية. وتُعد المصفاة، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 550 ألف برميل يومياً، مركزاً محورياً لتصدير النفط الخام السعودي نحو الأسواق العالمية.
وفي قطر، أعلنت وزارة الدفاع أن منشآت صناعية في مدينتي رأس لفان ومسيعيد تعرضت كذلك لهجمات مماثلة بطائرات مسيّرة، دون تسجيل خسائر بشرية. وعلى الأثر، أعلنت شركة قطر للطاقة، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، تعليق الإنتاج في مواقعها كافة إلى إشعار آخر. ويبلغ إجمالي قدرتها الإنتاجية السنوية نحو 77 مليون طن من الغاز المسال من خلال 14 خط إنتاج.
تُعد مدينة رأس لفان الصناعية مركز تصدير الغاز الأول عالمياً وتضم البنية التحتية لحقل الشمال، أكبر حقل غاز غير مصاحب في العالم.
تداعيات تمتد إلى العراق وإسرائيل
التأثر بالتصعيد لم يقتصر على الخليج. ففي إقليم كردستان العراق، أوقفت شركات عاملة في قطاع النفط – منها “دي إن أو” النرويجية و”غلف كيستون بتروليوم” و”دانا غاز” و”HKN إنرجي” – عمليات الإنتاج بشكل احترازي، رغم عدم تسجيل أضرار مادية. ويصدّر الإقليم نحو 200 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب يصل إلى ميناء جيهان التركي.
وفي إسرائيل، تلقّت شركة شيفرون الأمريكية تعليمات حكومية بإغلاق حقل ليفياثان البحري مؤقتاً، وهو أكبر مشروع غاز في البلاد وتُقدّر طاقته الإنتاجية بنحو 21 مليار متر مكعب سنوياً، ضمن اتفاق تصديري بقيمة 45 مليار دولار مع مصر. الشركة أكدت أن منشآتها لا تزال آمنة وتشمل أيضاً تشغيل حقل تمار القريب من الساحل الإسرائيلي.
اضطراب في الملاحة وارتفاع قياسي للأسعار
الاضطرابات المتتالية انعكست فوراً على حركة الشحن وأسعار الطاقة. فقد سجلت أسعار النفط ارتفاعاً بنسبة 13 في المئة لتتجاوز 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025. كما قفزت أسعار الغاز الأوروبية بنحو 50 في المئة عقب اتساع نطاق الإغلاق في المنطقة.
وأفادت بيانات ملاحية بأن ما لا يقل عن 150 سفينة، بينها ناقلات نفط وغاز، توقفت أو غيرت مسارها في مضيق هرمز ومياهه المجاورة، خشية التصعيد. وتدفق عبر هذا الممر نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعله شرياناً حيوياً للأسواق.
مع تصاعد المخاطر، ألغى عدد من شركات التأمين البحري تغطيات “مخاطر الحرب” للسفن المتجهة إلى المنطقة، في حين تُتوقع زيادة إضافية في أجور الشحن النفطي.
خسائر بشرية محدودة لكن القلق يتصاعد
وقعت حوادث متفرقة الأحد الماضي، إذ أصيب ناقلة منتجات نفطية تحمل علم جزر مارشال قبالة سواحل عُمان، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد طاقمها وإصابة اثنين آخرين. كما طال صاروخ آخر ناقلة تحمل علم جبل طارق قرب سواحل الإمارات، وأكدت الشركة المالكة أنها تعرضت لأضرار من دون وقوع إصابات إضافية.
انعكاسات على إنتاج إيران وأسواق «أوبك»
إيران نفسها لم تسلم من الاضطرابات، إذ سُمع دوي انفجارات في جزيرة خرج التي تُعالج نحو 90 في المئة من صادراتها من النفط الخام، ولم تتضح بعد حجم الأضرار في منشآتها. وتُعد طهران ثالث أكبر منتج في منظمة أوبك بنسبة إنتاج تبلغ حوالي 4.5 في المئة من الإمدادات العالمية، في حين تظل السعودية المنتج الأول.
ما وراء الأرقام
الأزمة، التي تتقاطع فيها السياسة والأمن والطاقة، أعادت التذكير بمدى هشاشة استقرار الإمدادات في منطقة الخليج. فالهجمات، وإن بدت محدودة الأثر المادي حتى الآن، كشفت عن إمكانية تعطّل سلاسل الإمداد العالمية خلال ساعات معدودة.
ومع تعليق الإنتاج وإغلاق الموانئ وارتفاع كلفة التأمين والشحن، تواجه الأسواق العالمية مرحلة جديدة من التوتر قد تفضي إلى زيادة أسعار الطاقة للمستهلكين حول العالم، لاسيما في أوروبا التي تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز المسال القادم من قطر.
خاتمة توعوية
في ظل التصعيد الحالي، تبدو الحاجة ملحّة لخطط طوارئ مشتركة تضمن أمن الطاقة العالمي وتُجنب المنطقة اندفاعاً جديداً نحو مواجهة مفتوحة. فكل شرارة في الخليج – بكل ما يحمله من موارد حيوية – قد تتحول إلى أزمة عالمية تمس حياة الناس في أبعد بقاع العالم.
بعد هجوم “رأس تنورة”.. كيف تأثرت مصفاة أرامكو العملاقة وشحنات النفط؟












