وطن-في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات الإقليمية على خلفية الحرب الممتدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعيش البحرين لحظة توتر غير معهودة، بعد أن شهدت شوارعها موجة احتجاجات مفاجئة أعادت إلى الأذهان فصولاً من الاضطرابات التي طبعت تاريخ البلاد في السنوات الماضية.
فمع إعلان مقتل المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي في عملية اغتيال نُسبت لواشنطن وتل أبيب، خرج متظاهرون في عدد من المدن والقرى البحرينية للتعبير عن غضبهم، رافعين شعارات دينية ومنددة بالدور الأمريكي في المنطقة. ورغم أن تلك المظاهرات اتسمت – وفق مصادر حقوقية – بطابع سلمي في بدايتها، فإن قوات الأمن سرعان ما واجهتها باستخدام مكثف للغازات المسيلة للدموع، وسط مشاهد متوترة في بعض المناطق.
تصاعد الاحتجاج وموجة الاعتقالات
خلال أيام قليلة، أعلنت المنظمات المعنية بحقوق الإنسان عن اعتقال ما لا يقل عن 65 شخصاً، بينهم شبّان شاركوا في مسيرات بالقرب من السفارة الأمريكية في المنامة. وأفادت تقارير بأن النيابة العامة وجهت إلى بعض المعتقلين تُهماً تتعلق “بالتحريض على كراهية النظام، والتواصل مع دولة معادية، وتعريض الأمن العام للخطر، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”.
من بين المعتقلين الشاب حسين ناجي فتيّل (21 عاماً) وعلي مهدي، إذ وثّقا مقاطع مصورة لمسيرتهما ونشراها على الإنترنت. وسرعان ما استُدعيا للتحقيق، بينما أكد ذووهم أن القضايا الموجهة إليهما تُعد من الأكثر خطورة.
احتجاجات في بلد ضيّق الهامش
على الرغم من صعوبة تنظيم مظاهرات علنية في البحرين بسبب القيود المفروضة على حرية التعبير، شكّلت هذه الاحتجاجات انعكاساً لاحتقان اجتماعي عميق، لاسيما في أوساط الطائفة الشيعية التي تُشكل غالبية السكان، وتنتمي في معظمها إلى جماعة البحارنة، إحدى أقدم الجماعات التي اعتنقت المذهب الشيعي منذ القرن السابع الميلادي.
رأت الناشطة البحرينية‑الدانماركية مريم الخواجة، أن توقيت اغتيال خامنئي خلال شهر رمضان، وفي سن متقدمة، شكّل “أكبر هدية قدمتها واشنطن له وأتباعه”، معتبرة أن كثيرين ينظرون إليه الآن كشخص “استُشهد من أجل عقيدته”.
الحرب المشتعلة تصل إلى المنامة
على مدار خمسة أيام، تعرضت مواقع عسكرية في الخليج، من بينها قواعد أمريكية في البحرين، لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية. وشهدت العاصمة المنامة سلسلة انفجارات وحرائق نتيجة إصابات مباشرة أو شظايا ناتجة عن عمليات اعتراض دفاعية. وأسفرت إحدى الهجمات عن مقتل عامل من بنغلاديش في منطقة سلمان الصناعية، فيما أصيب موظفان من وزارة الحرب الأمريكية إثر استهداف فندق “كراون بلازا” وسط المدينة.
هذه التطورات عمّقت الشعور بالخطر بين البحرينيين، لا سيما مع الوجود العسكري الأمريكي الكثيف على أرضهم، حيث تتمركز قيادة الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية ويعمل أكثر من تسعة آلاف جندي في القاعدة. ويرى كثيرون أن هذه القواعد جعلت بلادهم في قلب النزاع، كما يتهمون الولايات المتحدة وبريطانيا بدعم الحكم القائم منذ عقود.
مريم الخواجة عبّرت عن هذا الموقف بقولها إن “الوجود الأمريكي في البحرين كان دوماً مصدر قلق للناس ومهدداً لأمنهم”، مضيفة أن دول الخليج “تُستخدم اليوم كوقود في معارك لا تمسّ مصالح شعوبها”.
ذاكرة احتجاجية طويلة
منذ سبعينيات القرن الماضي، ظل الوجود العسكري الأمريكي في البحرين مثار خلاف داخلي. فقد حُلّ المجلس الوطني عام 1975 بعد عامين فقط على تأسيسه بسبب اعتراضه على تعزيز التعاون العسكري مع واشنطن، وما تلاه من حكم استمر ربع قرن بالمراسيم.
وتوالت محاولات الاحتجاج، أبرزها في التسعينيات ثم في عام 2011، حين اندلعت مظاهرات واسعة قمعتها السلطات بمساعدة قوات “درع الجزيرة” بقيادة السعودية. ووفق الخواجة، فإن التجارب التاريخية “تؤكد أن النظام البحريني يلجأ إلى القمع كلما واجه أزمة”.
قمع رقمي
وفي موازاة الاحتجاجات الميدانية، اعتُقل ما لا يقل عن 11 شخصاً بسبب نشرهم مقاطع مصورة للهجمات الإيرانية على مواقع التواصل الاجتماعي. واتهم الادعاء هؤلاء بـ“تضليل الرأي العام وبث الخوف بين المواطنين والمقيمين”.
من بين الموقوفين المصور والمؤثر المعروف سيد باقر الكامل، الذي نشر فيديو يُظهر أحد الأبراج المشتعلة في منطقة السيف وناشد متابعيه الدعاء للبلاد. وبعد ساعات من نشر المقطع، تم استدعاؤه للتحقيق. وأعلنت النيابة العامة أن الموقوفين بسبب “صناعة محتوى بصري مفبرك” يُحتجزون على ذمة التحقيق، وأنهم يواجهون احتمال السجن لمدة تصل إلى عامين وغرامات مالية كبيرة، إضافة إلى محاكمات عاجلة بتهمة “تمجيد الهجمات الإيرانية”.
سيد الوداعي، مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، اعتبر أن هذه الحملة “تهدف إلى ترهيب الناس ومنعهم من نشر أي محتوى يوثق ما يجري”، في وقت تشهد البلاد انفلاتاً أمنياً وخشيةً متزايدة من اتساع نطاق الاضطرابات.
إرث الاعتقال والمعاناة
قضية الحقوقي عبد الهادي الخواجة، والد مريم الخواجة، ما زالت تذكّر بالكلفة الإنسانية لهذه الأزمات. فالرجل يقضي حكماً بالسجن مدى الحياة منذ عام 2011 إثر قيادته احتجاجات سلمية، وهو أحد أبرز المعتقلين الذين وصفَت منظمة العفو الدولية محاكمتهم بأنها “جائرة”. وفي عام 2023، خاض إضراباً عن الطعام احتجاجاً على ظروف احتجازه في سجن جو، حيث يُحتجز عشرات من سجناء الرأي. مريم الخواجة نفسها ذاقت تجربة الاعتقال، وتقول إن “النظام القضائي في البحرين يفتقر لأدنى معايير العدالة”.
خاتمة
تضع الأحداث الأخيرة في البحرين، البلاد أمام اختبار بالغ الحساسية بين ضمان الأمن الداخلي والحفاظ على ما تبقى من مساحات حرية. فبين الخوف من التصعيد الإقليمي والقبضة الأمنية المشددة، يعيش المواطن البحريني قلقاً مزدوجاً: من الحرب التي تطرق أبواب بلده، ومن العواقب التي قد تطال صوته إذا حاول التعبير عنها. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبقى الدعوة الأساسية موجهة إلى التهدئة، وإلى ضرورة حماية الكلمة الحرة، لا معاقبتها.
قد يعجبك
بانتظار “التهديد الوجودي”.. كواليس تأخر انضمام الحوثيين للجبهة المشتعلة ضد واشنطن وتل أبيب
سيناريو “الغزو البري”: هل يشارك أكراد إيران في هجوم مدعوم أمريكياً ضد طهران؟












