وطن-في مشهد يعكس تصاعد التوتر الإقليمي وقلق الداخل الإيراني من مرحلة غير مسبوقة، تستعد طهران، وفق مصادر مطلعة، لاحتمال اندلاع مواجهات داخلية واضطرابات انفصالية، في وقت تتكثّف فيه الهجمات الأميركية والإسرائيلية على منشآت حكومية وأمنية داخل إيران.
استعدادات عسكرية لمواجهة سيناريوهات الحرب الداخلية
تفيد المعطيات أن القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية وضعت، منذ انتهاء الحرب التي استمرت 12 يومًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو من العام الماضي، خططًا وقائية لمواجهة أي تكرار للنزاع أو تطور لصراع داخلي مسلّح.
مصدر في الحرس الثوري أوضح أن قيادات الجيش والحرس الثوري حصلت على صلاحيات موسّعة في الأقاليم الغربية والجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية، بما يتيح لها العمل بشكل مستقل في حال فقدان الاتصال بالمركز في طهران. والهدف ـ حسب المصدر ـ هو ضمان سرعة الرد وعدم شلل القيادة إذا استُهدفت مراكز القيادة والاتصال.
تشير المصادر ذاتها إلى أن الدرس المستخلص من الحرب السابقة دفع الإيرانيين إلى إنشاء مراكز قيادة مستقلة وتعزيز القوات البرية في المحافظات الحسّاسة، وهي تحركات عسكرية جرت منذ سبتمبر تحت غطاء “مناورات تدريبية”، وفق ما أوردت التقارير.
المناطق الكردية وبؤر التوتر المتوقعة
تتجه الأنظار خصوصًا إلى المناطق الكردية غرب البلاد، حيث تخشى السلطات من أن تستغل الجماعات الكردية المسلحة المتمركزة في كردستان العراق الوضع بدعم أميركي وإسرائيلي لمهاجمة الداخل الإيراني. وقد حذر علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، في رسالة بتاريخ 28 ديسمبر، تلك الجماعات قائلاً إن الدولة “لن تتسامح مع أي محاولة انفصال أو عمل مسلح”.
وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت خمسة فصائل كردية إيرانية مسلحة في شمال العراق تشكيل تحالف استراتيجي جديد تمهيدًا، كما قالت، لمواجهة النظام الإيراني، لتلتحق بها لاحقًا حركة “كوملة”. تقارير متقاطعة أشارت أيضًا إلى محاولات أميركية للتنسيق مع هذه الجماعات بهدف فتح جبهة برية ضد القوات الإيرانية.
تصعيد الضربات على المدن الكردية
منذ 28 فبراير، تركزت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على المدن الكردية أكثر من أي منطقة أخرى خارج العاصمة. وشملت الضربات مواقع في مريوان وسنندج وسقز وبانه وسروآباد وكرمنشاه، واستهدفت مقار للحرس الثوري والجيش فضلاً عن مراكز شرطة وبلديات ونقاط حدودية. وردًا على ذلك، نفذت إيران قصفًا صاروخيًا على مقار الجماعات الكردية داخل إقليم كردستان العراق.
الجنوب والشرق في دائرة القلق
في الجنوب الغربي، وبالأخص في محافظة خوزستان الغنية بالنفط، فُوّضت القيادات الميدانية بصلاحيات أمنية إضافية، إذ تنشط هناك جماعات عربية انفصالية مثل “الأحوازية” نفّذت خلال السنوات الماضية هجمات متفرقة.
أما في الجنوب الشرقي، في محافظة سيستان وبلوشستان، التي تعد الأفقر في البلاد، فالمخاوف مستمرة من تحركات جماعية مسلحة وهجمات على القوات الرسمية والمدنيين، وسط نشاط شبكات تهريب المخدرات الآتية من أفغانستان. وقد كان القائد الراحل لقوة القدس، قاسم سليماني، قد أشرف شخصيًا في السابق على عمليات ضد تلك الجماعات وتجار السلاح والمخدرات قبل اغتياله في بغداد عام 2020.
تحول في سرعة الرد العسكري الإيراني
توضح مصادر في الحرس الثوري أن الرد الإيراني على أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية، صباح السبت الماضي، تم خلال ساعة واحدة فقط من بداية الهجوم، مقارنة بـ12 ساعة استغرقها الرد خلال حرب يونيو السابقة.
هذه السرعة، حسب المصادر، تعكس اعتماد نظام قيادة لامركزي يُمكّن قادة الوحدات الصاروخية من تنفيذ الرد فورًا دون انتظار أوامر إذا انقطعت الاتصالات مع المركز.
حتى يوم الخميس، أعلنت السلطات الإيرانية مقتل ما لا يقل عن 1,230 شخصًا جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية.
الميليشيات الداخلية وتعزيز القبضة الأمنية
تؤكد مصادر أخرى أن الخطط التي أُقرت بعد حرب العام الماضي شملت أيضًا منح صلاحيات خاصة لقوات “البسيج” شبه العسكرية، التي تضم نحو 19 مليون عضو، مليون منهم يعدّون نشطين. وتتلخص مهمتها الجديدة في حماية المراكز الحضرية خلال الأزمات.
وقال أحد ضباط الحرس الثوري إن “العدو يسعى لإشاعة الفوضى عبر استهداف البنى المدنية في المدن، لذلك جرى تكليف قوات البسيج بحماية الأمن الداخلي”.
في طهران وأصفهان وسائر المدن الكبرى، انتشرت منذ الأيام الأولى للحرب وحدات من “البسيج” تتولى تنظيم الحواجز والمراقبة، بعضها بملابس مدنية ويحمل أسلحة خفيفة. وبذلك حلت هذه التشكيلات محل الشرطة في مواقع كثيرة تضررت بفعل الغارات.
تعبئة شعبية ودعوات للمقاومة
في اليوم الثاني من الحرب، وجّه حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية والمصنّف ضمن التيار الإصلاحي، رسالة مصوّرة دعا فيها أنصار النظام إلى التواجد “في الميادين والمساجد” واعتبر ذلك واجبًا وطنيًا حتى نهاية الحرب. قال في خطابه إن “حصوننا هي المساجد والساحات التي يجب أن تبقى في يد الشعب المؤمن المخلص للثورة”. واستعادت كلماته رمزية “السود الجوامع”، في إشارة تاريخية إلى الانتفاضة التي أنهت الدولة الأموية.
بين الاستعدادات العسكرية الواسعة وتعبئة القوى الشعبية، يبدو أن إيران تسابق الزمن لتأمين جبهتها الداخلية في مواجهة حملة خارجية مركّبة واحتمال اضطراب داخلي متزامن. ومع استمرار الضربات والخسائر البشرية المتزايدة، تبقى البلاد أمام اختبار صعب: كيف تصون تماسكها الاجتماعي والأمني وهي تعيش بين نيران الخارج وهواجس الصراع في الداخل؟
اقرأ المزيد
سيناريو “الغزو البري”: هل يشارك أكراد إيران في هجوم مدعوم أمريكياً ضد طهران؟
تقرير عبري: إيران تحتفظ بقدراتها القتالية والسلطة في طهران لا تواجه خطر السقوط الوشيك












