وطن-في مشهد يعكس تحوّلاً واضحًا في موازين السياسة الخارجية الهندية، جاءت زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى إسرائيل أواخر فبراير/شباط 2026 لتفتح الباب أمام أسئلة كثيرة حول طبيعة الاصطفاف الجديد لنيودلهي في ملفات الشرق الأوسط، بعد إعلان الجانبين الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الخاصة من أجل السلام والابتكار والازدهار”.
لم تمر سوى أيام قليلة على هذا التقارب حتى اندلع الصراع العسكري الأمريكي‑الإسرائيلي ضد إيران، حاصدًا أكثر من ألف قتيل ومسببًا اضطرابات خطيرة في منطقة الخليج. تزامن الحدث مع حالة ترقب في الهند إزاء موقف حكومتها التي لم تُصدر إدانة رسمية لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، ولم تُبدِ أي تعاطف علني مع الشعب الإيراني، رغم عمق الصلات التاريخية بين البلدين.
حادثة أربكت نيودلهي
أثار موقف الهند جدلا حادا بعد أن تعرضت سفينة تابعة للبحرية الإيرانية، كانت قد شاركت قبل أيام في استعراض بحري بدعوة من نيودلهي، لهجوم أمريكي في المياه الدولية أدى إلى مقتل العشرات من عناصرها. وقد وصف دبلوماسيون وضباط هنود سابقون الحادثة بأنها “إحراج استراتيجي” يمس مصداقية الهند الإقليمية ويكشف هشاشة موقعها بين حلفائها التقليديين.
تساءل مراقبون داخليًا عمّا إذا كانت الهند قد تخلّت عن مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” الذي تبنّته لعقود، وانحازت كليًا إلى المعسكر الأمريكي‑الإسرائيلي. إلا أن محللين يرون أن ما يجري امتداد طبيعي لتطورات داخلية أعمق في بنية الدولة الهندية نفسها.
تحوّل داخلي يرسم السياسة الخارجية
منذ وصول ناريندرا مودي إلى الحكم عام 2014، تزايدت الإشارات إلى مسار يقترب من تحويل الهند إلى دولة يغلب عليها الطابع القومي الهندوسي، وفق رؤية تنسجم مع توجهات حزب بهاراتيا جاناتا والمنظمة الأم “راشتريا سوايامسيفاك سانغ”. وبحسب خبراء، باتت مؤسسات القضاء والإعلام والأمن في البلاد أقرب إلى هذا التوجه، ما انعكس بدوره على السياسة الخارجية.
خلال الاحتفال بمهرجان هولي الأخير، سُجّلت حوادث تدعو المسلمين إلى تغطية المساجد لحمايتها من العنف الشعبي، في دلالة على تصاعد نزعة الإقصاء في الفضاء العام. ويشير باحثون إلى أن هذا المناخ الداخلي انعكس على لغة الخطاب الدبلوماسي، حيث باتت نيودلهي تبرر سياساتها وفق منظور “الحضارة” ومكافحة “الإرهاب”، على نحو يتقاطع مع المفاهيم الأمنية السائدة في واشنطن وتل أبيب.
ترى الكاتبة والباحثة سوشيترا فيجايان، أن الإسلاموفوبيا تغلغلت في جوهر السياسة الخارجية للهند، وأحلّت محل مبدأ الحياد القديم سياسة تقوم على “تحييد الخصم المسلم”، معتبرة أن هذا الإطار الفكري يفسّر تحالف نيودلهي مع إسرائيل والولايات المتحدة، لا باعتباره ظرفيًا بل خيارًا مبدئيًا.
نموذج إسرائيلي داخل المؤسسات
لم تعد العلاقة بين الهند وإسرائيل تقتصر على التعاون العسكري، إذ باتت تل أبيب تُقدَّم داخل الأوساط الرسمية في نيودلهي كنموذج إداري وأمني يُحتذى به. وفود من الشرطة والبرلمانيين ورجال الأعمال الهنود تزور إسرائيل بشكل دوري للاطلاع على أساليب إدارتها للشأن الأمني واحتواء الاحتجاجات.
وقد ظهرت ملامح هذه “النماذج” في الداخل الهندي، سواء في استخدام برامج المراقبة مثل “بيغاسوس”، أو في تفريق احتجاجات المزارعين، أو في سياسات هدم منازل المعارضين في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية. ويُضاف إلى ذلك التعاون الأكاديمي والعسكري بين الجامعات والمؤسسات البحثية في البلدين لإنتاج تكنولوجيا الأسلحة.
من غزة إلى طهران: خطوط متصلة
عند قراءة موقف الهند من حرب إيران، يرى محللون أنه لا يمكن فصله عن مواقفها السابقة تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث أظهرت نيودلهي دعماً سياسياً متواصلاً لتل أبيب في مؤسسات الأمم المتحدة، ورفضت تبنّي قرارات تدعو إلى وقف تصدير السلاح أو فرض حظر أممي. وخلال العامين الماضيين، أشارت تقارير إلى أن الصناعات الهندية ساهمت بشكل مباشر في تزويد الجيش الإسرائيلي بطائرات مسيّرة وأسلحة، كما تم إرسال عمال هنود لتعويض غياب اليد العاملة الفلسطينية.
صرّح وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار، حينها بأن العلاقات مع إسرائيل “تستند إلى تاريخ طويل من التعاون في مجال الأمن القومي، وأن تل أبيب دعمت الهند في لحظات حرجة”، في تبرير واضح لموقف حكومته أمام الانتقادات الداخلية. وفي المقابل، امتنعت الحكومة عن الانضمام إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن جرائم الإبادة الجماعية في غزة، كما قُمعت التظاهرات المؤيدة لفلسطين داخل الجامعات وفي الفضاء العام.
تداعيات اقتصادية ومخاطر إقليمية
يهدّد التوتر في الخليج اقتصاد الهند المعتمد على استيراد الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز عطّل حركة الناقلات، بينما لا تملك نيودلهي سوى احتياطي لا يكفي لأكثر من شهر من احتياجاتها النفطية. ومع وجود نحو تسعة ملايين عامل هندي في دول الخليج، فإن أي تصعيد عسكري مطوّل قد يعرّض أرزاقهم للخطر ويؤثر في تحويلاتهم المالية الضخمة التي تُعد شريانًا اقتصاديًا أساسيًا.
وعلى الرغم من هذه المخاطر، تشير تقديرات إلى أن الهند تحاول الاستفادة من الأزمة عبر التموقع الاقتصادي استعدادًا لأي انفتاح قادم في إيران بعد انتهاء الحرب. وفي هذا السياق، منحتها واشنطن إعفاءً مؤقتًا لمدة ثلاثين يومًا لاستيراد النفط الروسي، في إشارة إلى مكافأة سياسية على التزامها بخط الولايات المتحدة.
تراجع استقلالية القرار
تتبين ملامح التحول بوضوح منذ أن تراجعت نيودلهي عن موقفها السابق داخل منظمة شنغهاي للتعاون، حين امتنعت عن التوقيع على بيان يدين الضربات الإسرائيلية ضد إيران عام 2025. كما انسحبت تدريجيًا من مشروع ميناء تشابهار الإيراني تحت ضغط العقوبات الأمريكية، مبررة ذلك بأنه “انسحاب تكتيكي” لا تخلي نهائي.
أما في المقابل، فقد شاركت في ترتيبات إقليمية جديدة مثل مجموعة I2U2 (الهند، إسرائيل، الإمارات، الولايات المتحدة) والممر الاقتصادي “الهند‑الشرق الأوسط‑أوروبا” الذي أُعلن عنه عام 2023 لدمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية واستحداث بديل للمبادرة الصينية “الحزام والطريق”.
نحو محور ثلاثي جديد
عشية زيارة مودي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشكيل ما سمّاه “تحالف المِسدّس”، وهو تجمع اقتصادي‑أمني يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص وعددًا من الدول العربية والأفريقية والآسيوية لمواجهة ما وصفه بـ“محاور التطرف الشيعية والسنية”. وجاء هذا التصريح قبل ساعات من الحرب على إيران، ما اعتبره مراقبون دلالة على اصطفاف هندي متزايد ضمن المحور الأمريكي‑الإسرائيلي في المنطقة.
ويرى باحثون أن هذا التوجه لا يعبّر عن نزعة عابرة بل عن إعادة صياغة شاملة للسياسة الهندية، حيث باتت تل أبيب وواشنطن حلفين مركزيين في المشروع الخارجي لحكومة مودي، بينما يتراجع مفهوم “عدم الانحياز” الذي طبع الدبلوماسية الهندية منذ الاستقلال.
خاتمة: أسئلة مفتوحة أمام الرأي العام
على الرغم من الانتقادات المحلية والعالمية، لا توجد مؤشرات على تغير وشيك في توجهات نيودلهي. فالمعارضة السياسية ضعيفة، والشارع يعيش انقسامًا حادًا بفعل الخطاب القومي‑الديني. ومع استمرار التقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة، يجد المواطن الهندي نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين الطموح الاقتصادي والتبعية السياسية ومخاوف التورط في صراعات إقليمية كبرى.
ويبقى السؤال الأعمق: هل ما زال بإمكان الهند أن تدّعي لنفسها استقلالية القرار، أم أنها أصبحت جزءًا من محور تتحدد خياراته خارج حدود شبه القارة؟
اقرأ المزيد
حملة مقاطعة المنتجات الهندية تجتاح مواقع التواصل احتجاجًا على تحالف مودي مع إسرائيل
الهند والاتحاد الأوروبي يطلقان أكبر منطقة تجارة حرة في العالم بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية












