وطن-تعود أجواء التوتر لتخيّم مجددًا على الشرق الأوسط، بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران في مارس/آذار 2026، لتفتح الباب أمام موجة جديدة من الاضطراب الإقليمي. فمشاهد الغضب لم تقتصر على ساحات طهران أو بغداد أو بيروت، بل امتدت حتى العاصمة الفلبينية مانيلا، حيث أحرق متظاهرون صور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مشهد يعكس اتساع دائرة الرفض الشعبي لهذه الحرب الجديدة التي تضع المنطقة على حافة الانفجار.
غموض في الأهداف… وتاريخ من الذرائع
وعلى الرغم من ضخامة الهجوم، لا تزال دوافعه الحقيقية غامضة. فهل الهدف القضاء على برنامج تسلّح نووي إيراني لم يثبت وجوده أصلًا، أم إجبار طهران على العودة إلى مفاوضات كانت واشنطن نفسها قد فجّرتها في وقت سابق؟
يتحدث ترامب عن «حماية العالم» من تهديد نووي مزعوم، لكنه سبق أن أعلن في تصريحات متلفزة أنه «دمّر بالكامل» هذا البرنامج قبل أشهر من الهجوم الأخير. فكيف يعود اليوم إلى ما يقول إنه أُزيل من الوجود؟
وتطرح تساؤلات أخرى نفسها: هل أرادت واشنطن فرض سيناريو تغيير النظام السياسي الإيراني؟ أم تحرير الشعب الإيراني كما تزعم، مع أن أولى ضحايا القصف كانوا عشرات الأطفال في مدرسة للبنات جنوب طهران؟
صدى قديم لسياسة دائمة
المتابعون يرون أن الحرب الحالية ليست قرارًا أمريكيًا صرفًا، بل حلقة جديدة ضمن استراتيجية إسرائيلية أقدم وضعت خطوطها منذ عقود. فنتنياهو نفسه لم يخفِ نشوة الإنجاز قائلًا: «حققنا ما سعيت إليه على مدى أربعين عامًا: القضاء الكامل على نظام الإرهاب».
وفي تلك العقود الأربعة ذاتها، تكررت تحذيرات إسرائيلية سنوية من أن إيران «على بعد أشهر» من صنع قنبلة نووية، دون أن يظهر أي دليل ملموس. بينما ظلت الترسانة النووية الإسرائيلية نفسها سرًا معلنًا لا تخضع لأي رقابة دولية، رغم أن أوروبا ساهمت في تأسيسها والولايات المتحدة غضّت النظر عنها.
هواجس التفوق العسكري
لم تكن خشية إسرائيل من سلاح نووي إيراني فحسب، بل من تحول إيران إلى قوة إقليمية كبرى ترفض الخضوع لمنطق الهيمنة الغربية، وتكسب نفوذًا يمتد إلى العراق ولبنان وسورية واليمن. وهي خشية ذات أبعاد سياسية وثقافية معقدة، لأن نجاح إيران في ترسيخ استقلالها سيقوّض الدور الذي تؤديه إسرائيل منذ عقود كذراع عسكرية للغرب في منطقة النفط.
وقد تجلت هذه المعادلة في محاولات دؤوبة لتفكيك الدول المحيطة بإسرائيل وتحويلها إلى كيانات ضعيفة أو منقسمة. من العراق إلى ليبيا وسورية واليمن، ظلت سياسة «الاحتواء بالفوضى» السمة البارزة للعمليات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية المتعاقبة.
من كذبة العراق إلى ذريعة طهران
تذكّر الحرب على إيران اليوم بكذبة «أسلحة الدمار الشامل» التي سبقت غزو العراق عام 2003. فكما رُوّج حينها لمخزون خيالي من السلاح الكيميائي، يجري الآن تسويق تهديد نووي إيراني لا وجود له. الفارق الوحيد أن العالم هذه المرة يملك خبرة أربعين عامًا من الادعاءات التي لم تُثبت صحتها قط.
وعلى الرغم من ذلك، وجدت هذه المزاعم مجددًا صدى في بعض العواصم الغربية التي سارعت إلى دعم الحملة العسكرية الجديدة دون تدقيق أو مساءلة.
الشرق الأوسط الجديد… حلم قديم يعاد بعنف
خطاب «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» الذي استخدمته إدارة بوش الابن قبل عقدين يعود مجددًا، لكن بأدوات أشد تدميرًا. فحديث ترامب عن «شرق أوسط مختلف كليًا» ينسجم مع الرؤية ذاتها التي روّج لها المحافظون الجدد في واشنطن منذ غزو أفغانستان والعراق تحت شعار «نشر الديمقراطية».
لكن النتائج على الأرض كانت مروّعة: دول مدمَّرة، ملايين المهجّرين، تصاعد الإرهاب، وتآكل القانون الدولي.
من غزة إلى طهران… مشروع واحد بأسماء مختلفة
من يرى صور الدمار في غزة بعد حملة 2023، أو القصف المتواصل على لبنان وسورية واليمن، يدرك أن الهجوم على إيران ليس حدثًا منفصلًا، بل امتدادًا لنهج واحد يقوم على تفكيك كل بنية إقليمية قادرة على مقاومة النفوذ الإسرائيلي.
تعكس الضربات الجوية والحصار الاقتصادي واغتيال القيادات – من طهران إلى صنعاء – استراتيجية واحدة: إنهاك المجتمعات وتجفيف قدراتها، وصولًا إلى مرحلة الانهيار الداخلي الشامل.
الغرب بين الصمت والتواطؤ
ومع أن دولًا غربية ككندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا أعلنت دعمها لعملية ترامب العسكرية، إلا أن أصواتًا داخل هذه البلدان بدأت تتساءل عن جدوى استمرار التبعية للسياسات الأمريكية. فقد اضطر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى التراجع عن تأييده المطلق بعد موجة انتقادات داخلية، بينما منح نظيره البريطاني كير ستارمر القواعد الجوية الأمريكية تسهيلات للتحركات العسكرية، مبررًا ذلك بأنه «إجراء دفاعي» رغم أن القانون الدولي لا يعترف بمفهوم «العدوان الدفاعي».
تكرار أخطاء الماضي
لم تنجح القوى الكبرى في قراءة دروس التجارب السابقة: فحروب الوكالة في أفغانستان والعراق وسورية لم تنتج سوى مزيد من العنف والتطرف، ومع ذلك يُعاد الآن تشغيل السيناريو ذاته ضد إيران، الدولة الأكبر مساحة ونفوذًا في المنطقة.
قد يفتح الرهان على إسقاط النظام أو تقسيم البلاد الباب أمام فوضى لا تُعرف حدودها، تمامًا كما حدث في العراق وليبيا من قبل.
الغضب الشعبي… وقود المرحلة المقبلة
لم تكن الاحتجاجات التي خرجت في دول عدة فقط رفضًا للحرب فحسب، بل تعبيرًا عن فقدان الثقة في الخطاب الغربي حول «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان». وفي الداخل الإيراني، ورغم الصعوبات الاقتصادية والعقوبات الطويلة، يُدرك كثير من المواطنين أن الضغوط الخارجية ليست طريقًا للإصلاح بل وصفة للدمار. أما الأصوات المعارضة التي تروّج لها الفضائيات الغربية فهي محدودة التأثير ولا تمثل المزاج العام لشعب عانى طويلاً من التدخلات الأجنبية.
رماد المقاومة الذي لم يخمد
من فلسطين إلى العراق ولبنان وسورية واليمن، لم تُطفأ جذوة الرفض رغم الحصار والدمار. واليوم، مع تصاعد الهجوم على إيران، تتسع هذه الجذوة لتصير نارًا تذكّر بأن القوة وحدها لا تصنع استقرارًا، وأن الشعوب التي ترفض الإذلال تعود دائمًا من تحت الركام. وقد تتغير التحالفات وتتناوب الحكومات، لكن جذور الصراع في المنطقة تبقى واحدة: رغبة البعض في الهيمنة، في مقابل إرادة الآخرين في البقاء أحرارًا على أرضهم.
اقرأ المزيد
ترامب يرفع سقف التحدي: “الاستسلام غير المشروط” هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب على إيران
اللحظات الأخيرة قبل الانفجار.. دور ليندسي غراهام في ضم الرياض للتحالف العسكري ضد إيران












