وطن-في ظل تصاعد التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية نحو تهدئة النزاعات المزمنة في شمال أفريقيا، عادت قضية الصحراء الغربية إلى واجهة الاهتمام السياسي مجددًا، مع محاولات أمريكية مكثفة لإحياء مفاوضات السلام بين المغرب وجبهة البوليساريو، لكنها حتى الآن لم تحقق أي اختراق فعلي.
مساعٍ أمريكية خلف الكواليس
منذ خريف العام الماضي، كثفت واشنطن جهودها لإيجاد مخرج للنزاع المستمر منذ أكثر من خمسة عقود بين المغرب وأنصار استقلال الصحراء الغربية. وبحسب مصادر دبلوماسية، نظّمت الإدارة الأمريكية ثلاث جولات سرّية من المباحثات خلال أقل من شهر، جمعت حول طاولة واحدة ممثلي المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، بحضور مبعوث الأمم المتحدة الخاص ستافان دي ميستورا. عقد اللقاءان الأولان في واشنطن، والثالث في مدريد أواخر فبراير، تزامنًا مع شهر رمضان، ما أثار امتعاض بعض الوفود المشاركة.
تُعد هذه الاجتماعات أول مواجهة مباشرة بين الطرفين منذ اللقاء الذي رعتْه الأمم المتحدة في جنيف عام 2019. وعلى الرغم من أن مجرّد استجابة الأطراف للدعوة الأمريكية يُعتبر نجاحًا رمزياً لواشنطن، فإن المفاوضات تعثّرت بسبب تباعد المواقف بشأن طبيعة الحكم الذاتي ومستوى مشاركة الصحراويين في تقرير مصيرهم.
جذور نزاع معقّد
يعود النزاع إلى عام 1975 حين انسحبت إسبانيا من الصحراء الغربية، آخر مستعمراتها الأفريقية. ومنذ ذلك الحين، ظل الإقليم البالغة مساحته نحو 266 ألف كيلومتر مربع موضوع خلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر. يسيطر المغرب حاليًا على 80 بالمئة من الأراضي، في حين تسيطر البوليساريو على المنطقة المتبقية شرق الجدار الدفاعي الذي شيده المغرب في ثمانينيات القرن الماضي.
ويعيش في المنطقة قرابة 600 ألف نسمة، أغلبيتهم من المغاربة، فيما يقيم نحو 165 ألف صحراوي في مخيمات اللاجئين داخل الأراضي الجزائرية.
مبادرات ومواقف دولية
منذ عام 2007، طرح المغرب خطة تمنح الصحراء الغربية حكمًا ذاتيًا موسعًا تحت سيادته. وقد أعادت الرباط صياغة الخطة مطلع هذا العام لتصبح أكثر تفصيلًا، بعد ضغوط أمريكية لتقديم تصور واضح. الخطة الجديدة، التي تمتد إلى 38 صفحة، أعدها ثلاثة من مستشاري العاهل المغربي: فؤاد علي الهمة، الطيب الفاسي الفهري، وعمر عزيمان.
تعتبر واشنطن، بحسب مصادر دبلوماسية، أن المقترح المغربي يشكل أساسًا ممكنًا للتفاوض، وهو ما عكسه قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر الماضي، والذي تبنى فكرة أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يكون الحل الأكثر واقعية.”
امتنعت روسيا والصين عن التصويت، في وقت رحبت دول أوروبية عدة بالمبادرة، بينها إسبانيا وفرنسا، الخطوتان اللتان أغضبتا الجزائر وأدت إحداهما إلى أزمة دبلوماسية حادة.
مواقف متباينة على طاولة المفاوضات
على الرغم من الأجواء الرسمية التي سادت اللقاءات، نقل شهود أن النقاشات كانت متوترة. يمثل وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بلاده في المفاوضات، فيما يقود محمد يسلم بيسط وفد جبهة البوليساريو بصفته وزير خارجية ما تُعرف بـ”الجمهورية الصحراوية” المعلنة من جانب واحد تحت رعاية الجزائر.
يرى المغرب أن الحل يجب أن يقود إلى تعديل دستوري داخلي يوسّع صلاحيات الجهات المحلية ويُقرّ بالوضع الخاص للصحراء الغربية، على أن يُصوّت عليه جميع المغاربة، لا سكان الإقليم وحدهم. في المقابل، تشدد البوليساريو على حصر التصويت في الشعب الصحراوي داخل الإقليم وفي مخيمات اللاجئين، باعتباره الطرف المعني بحق تقرير المصير، وفق ما تنص عليه قرارات الأمم المتحدة.
وفي حين ينص المشروع المغربي على أن رئيس الإقليم يعينه الملك، تطالب البوليساريو بنموذج أكثر استقلالية، يصل إلى حد قيام دولة مرتبطة بالمغرب بروابط شكلية، على غرار علاقات بورتو ريكو بالولايات المتحدة.
خلفيات سياسية أوسع
تعكس التحركات الأمريكية رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في إحراز إنجاز دبلوماسي جديد في أفريقيا، يوازي اتفاقات التطبيع السابقة في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، التي اعترفت في ديسمبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل انضمامه إلى اتفاقات أبراهام، لا تخفي دعمها القوي للرباط، وتسعى إلى تسوية تُرضيها دون استفزاز الجزائر، الحليف التقليدي للجبهة.
ويرى مراقبون أن تسوية ملف الصحراء الغربية ستكون خطوة أولى على طريق مصالحة مغربية-جزائرية أوسع، وهو ما تأمل واشنطن أن يسهم في تعزيز نفوذها في القارة مقابل التمدد الصيني. إلا أن العلاقات بين البلدين ما تزال مقطوعة منذ عام 2021، ولم تظهر أي بوادر تغير حتى الآن.
عقدة الاستقرار الإقليمي
إخفاق الأطراف في تجاوز الخلافات الجوهرية يجعل مهمة واشنطن غاية في التعقيد. فالقضية تتعدى حدودها الجغرافية لتلامس توازنات سياسية وأمنية إقليمية حساسة. ويشير دبلوماسي مغاربي سابق إلى أن “الرباط لا تريد ترك أي نافذة قد تُمهّد مستقبلاً لخيار الاستقلال”، موضحًا أن هذا القيد وحده يجعل أي حديث عن حكم ذاتي فعّال أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي ظل استمرار الجمود، لم يُحدّد بعد موعد جولة جديدة من المفاوضات. وبينما تأمل الإدارة الأمريكية في اتفاق قبل فصل الربيع المقبل، يظل الطريق إلى سلام دائم في الصحراء الغربية مليئًا بالعقبات السياسية والنفسية.
يختبر الملف الذي تجاوز عمره نصف قرن ما يزال صبر الدبلوماسيين، ويؤجل حلم سكان الصحراء في الاستقرار والاعتراف. وبين حسابات السياسة وتعقيدات التاريخ، تبقى التسوية الشاملة رهينة إرادة الأطراف وقدرتها على تجاوز الحسابات الضيقة نحو مستقبل من التعايش والتفاهم في مغرب عربيّ موحّد ومستقر.
قد يعجبك
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية
خطة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية 2026: تفاصيل الوثيقة الجديدة التي عرضها بوريطة في مدريد












