وطن-في وقتٍ يعيش فيه آلاف الشبان من دولٍ تمزقها الحروب على أملِ استكمال تعليمهم في الخارج، تلقّى طلبة سودانيون نبأ حظر تأشيرات الدراسة في المملكة المتحدة كصدمة قاسية، محطّمةً أحلامهم في تحصيل علمي اعتقدوا أنه سيكون وسيلتهم للمساهمة في إعادة بناء بلدانهم المنهكة بالصراعات.
قرار مثير للجدل
أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية، شابانة محمود، عن نية الحكومة إدراج أربع دول هي السودان وميانمار وأفغانستان والكاميرون ضمن قائمة الممنوعين من الحصول على تأشيرات الدراسة، مبررةً القرار برغبة الحكومة في الحد من حالات لجوء الطلاب الدوليين بعد انتهاء دراستهم. ويأتي هذا التوجه ضمن حزمة من الإصلاحات التي أطلقها حزب العمال البريطاني لإعادة هيكلة سياسات اللجوء، وتشمل منح حماية مؤقتة وتشديد القيود على لمّ شمل الأسر.
يتزامن القرار الذي وصفته جمعيات طلابية ومنظمات حقوقية بأنه “سابقة غير مألوفة” في السياسة البريطانية، مع خطوة مشابهة اتخذتها الولايات المتحدة قبل أسابيع، حين حظرت منح تأشيرات دراسية وقصيرة الأمد لرعايا 19 دولة من بينها السودان.
ضربة لأحلام الشباب السوداني
إبراهيم دفع الله، البالغ من العمر 23 عامًا، كان قد تلقى قبوله في جامعة أكسفورد لدراسة الماجستير في “تحسين وتقييم الخدمات الصحية”، استعدادًا لبداية مشواره الأكاديمي في سبتمبر المقبل. لكنّ الإعلان الجديد بدّد آماله. يقول دفع الله إنّ رغبته في الدراسة وُلدت من معايشته لانهيار النظام الصحي في بلده الذي يعاني من حرب مدمرة منذ عام 2023.
يضيف بأسى: “كنا نعوّل على التعليم في الخارج لنتعلم كيف ننهض بقطاعنا الصحي، والقرار أغلق أمامنا باب الأمل.”
رحلة دفع الله التعليمية كانت محفوفة بالمآسي، إذ اضطر إلى ترك جامعته في الخرطوم بعد أن سيطرت قوات الدعم السريع على العاصمة في إبريل 2023، ثم نُزح مجددًا بعدما اجتاحت القوات ذاتها مدينة الهلالية التي لجأ إليها. خلال عامين فقط فقد 17 من أفراد أسرته في الحرب، بينهم عمّه الذي توفي بسبب مضاعفات إصابة لم يتمكّن الأطباء من علاجها في ظل انقطاع الخدمات الصحية.
ورغم ذلك، ظل الشاب مصممًا على المضي في طموحه الأكاديمي حتى سمع بخبر المنع. “الناس هنا يحاولون إعادة بناء حياتهم، وكنا نعتبر التعليم في الخارج وسيلة لذلك. لكن القرار يعاقبنا بذنب لا نتحمله.”
قيود تمس التعليم والتنمية
بحسب بيانات وزارة الداخلية البريطانية، لم يتقدّم بطلب لجوء سوى 120 طالبًا سودانيًا من حاملي تأشيرات الدراسة خلال عام 2024–2025، أي أقل من نصف العدد الإجمالي، فيما انخفضت النسبة بين طلبة ميانمار إلى 16 بالمئة فقط. ومع ذلك، شمل الحظر البلدين ضمن الدول الأربع المستهدفة، ما أثار تساؤلات واسعة حول دوافع القرار.
تواجه الطالبة والأكاديمية السودانية الدكتورة عبير عبدون، أيضًا مصيرًا مشابهًا. فقد حصلت على قبول للالتحاق ببرنامج ماجستير في “الصحة الدولية والطب الاستوائي” في جامعة أكسفورد، كما أدرج اسمها في القائمة القصيرة للحصول على منحة دكتوراه في جامعتين بريطانيتين أخريين. تقول عبدون، التي فرت إلى مصر بعد اندلاع الحرب:
“عملت سنوات طويلة للوصول إلى هذه المرحلة الأكاديمية. تعليق التأشيرات سيجعل كل الجهود تذهب سدى، رغم استيفائي لجميع المعايير المطلوبة.” وتعتبر أن القرار “سيصيب جيلاً كاملاً من الطلاب السودانيين باليأس ويحرم البلاد من خبرات يحتاجها أكثر من أي وقت مضى.”
انتقادات حقوقية وأكاديمية
منظمات تعنى بحقوق المهاجرين وصفت الخطوة بأنها شكل من “العقاب الجماعي” الموجَّه إلى شعوب تعاني من أوضاع إنسانية قاسية. وقال سركر شمس بن شريف، المتحدث باسم “مجلس دعم المهاجرين المشترك”، إن ما جرى “يستهدف مواطني دول تواجه حروبًا ونزاعات داخلية أو كوارث مناخية، وهي فئات تحتاج إلى ممرات آمنة لا إلى مزيد من العزلة”.
ومن جانبها، حذرت الرئيسة التنفيذية لمنظمة “براكسيس”، ميني رحمن، من أن القرار “قد يدفع مزيدًا من الشباب نحو طرق خطرة للهجرة” في ظل انعدام المسارات القانونية الآمنة. وأكدت أن “تأشيرات الطلاب لطالما كانت واحدة من السبل القليلة المتاحة للوصول الآمن ومواصلة التعليم”، معتبرة أن حظرها “يُغلق الباب في وجه طلاب يسعون فقط إلى التعلم وخدمة مجتمعاتهم”.
وفي السياق ذاته، عبّر روبرت ييتس، الباحث الزائر في كلية لندن للاقتصاد والمدير السابق لبرامج الصحة العالمية في معهد “تشاتام هاوس”، عن قلقه إزاء التداعيات الأكاديمية للقرار، قائلاً إن “إضعاف فرص الطلاب من هذه الدول يتعارض مع مبادئ دعم الأنظمة الصحية في البلدان النامية، خصوصًا مع تقليص بريطانيا تمويلها للمساعدات”.
بين التعليم والأمل
بالنسبة لكثير من الشباب السودانيين، لم تكن الدراسة في الخارج مجرّد طموح شخصي، بل وسيلة لبناء قدرات تُمكّنهم من المساهمة في إعادة إعمار وطنهم. إلا أن سياسة الحظر الجديدة تهدد بإطفاء هذا الأمل. تقول الدكتورة عبير عبدون من مقر إقامتها في مصر: “ما نحتاجه اليوم هو فرص تعليم تفتح الآفاق، لا قرارات تُغلق الأبواب.”
في خضم هذا الجدل، يبقى السؤال الإنساني مطروحًا: هل يُمكن أن يُعاقَب الطلاب على جنسية ولِدوا بها، بينما لا يسعون إلا إلى التعلم والإصلاح؟ القرار البريطاني، كما يراه كثيرون، لا يوجّه فقط ضربة لآمال الأفراد، بل يمس مستقبل أمة تنشد طريقًا للسلام عبر العلم والمعرفة.
قد يعجبك
تحقيق يكشف حملة رقمية منسقة في مصر للتحريض ضد اللاجئين السوريين والسودانيين












