وطن-شهدت إيران تحوّلًا سياسيًا كبيرًا خلال الأيام الماضية مع إعلان تعيين رجل الدين الشيعي مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عامًا، مرشدًا أعلى جديدًا للجمهورية الإسلامية، خلفًا لوالده الراحل آية الله علي خامنئي الذي قُتل في هجوم إسرائيلي–أمريكي استهدفه مع عدد من أفراد أسرته في طهران أواخر فبراير 2024. وجاء القرار بعد أسبوع من الغارات التي أسفرت عن مقتل زوجته زهراء حدّاد عادل، ووالدته منصورة خواجسته باقر زاده، وأحد أبنائه وشقيقته.
اختيار في لحظة اضطراب
أعلن مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 عالم دين والمكلّف دستوريًا باختيار المرشد الأعلى، في بيان رسمي أن انتخاب مجتبى خامنئي تمّ بأغلبية حاسمة، مؤكدًا أن عملية الاختيار جاءت متوافقة مع الأطر الدستورية، لا على أساس وراثي. ودعا المجلس الإيرانيين، ولا سيما النخب الدينية والأكاديمية، إلى توحيد الصفوف ودعم القيادة الجديدة في مواجهة التحديات الخارجية المتصاعدة.
يأتي ذلك في وقتٍ تتعرض فيه البلاد لهجمات عسكرية متكررة شنّتها القوات الإسرائيلية والأمريكية، كان أبرزها القصف الذي استهدف مبنى في مدينة قم، حيث كان من المقرر أن يجتمع أعضاء المجلس لاختيار المرشد الجديد، في ما وصفته طهران بمحاولة لإجهاض العملية من أساسها.
خلفية دينية وعائلية
وُلد مجتبى خامنئي في مدينة مشهد شمال شرقي إيران في 8 سبتمبر 1969، ونشأ في أسرة دينية عُرفت بولائها الفكري لمدرسة الفقه الشيعي. والده، الراحل آية الله علي خامنئي، تولّى منصب المرشد الأعلى منذ عام 1989 وحتى اغتياله، أما جدّه فكان السيد جواد خامنئي، أحد أبرز علماء الدين في المدينة المقدسة.
تزوّج مجتبى من زهراء حدّاد عادل، ابنة السياسي المحافظ ورئيس البرلمان الأسبق غلام علي حدّاد عادل، الذي يُعد من الشخصيات المقربة من بيت المرشد. وقد قُتلت زهراء ضمن الهجوم الذي استهدف مقر عائلة خامنئي في طهران.
مسار علمي ودور سياسي غير مباشر
تلقى مجتبى علومه الدينية في حوزة قم، المركز الرئيس للدراسات الإسلامية الشيعية، حيث درس الفقه الإسلامي والأصول على يد آيات الله محمود الهاشمي الشاهرودي، لطف الله الصافي الكلبايكاني، ومحمد تقي مصباح يزدي، قبل أن يتولى تدريس دروس الخارج في الفقه، وهي أعلى مراحل التعليم في الحوزات.
وعلى الرغم من عدم توليه مناصب حكومية أو مشاركته في الانتخابات، إلا أن تقارير عدة تشير إلى أنه كان شخصية مؤثرة في الدائرة المقربة من والده، ويحظى بعلاقات وثيقة مع قيادات في الحرس الثوري الإيراني. وكان قد خدم في “كتيبة حبيب” التابعة للحرس أثناء الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.
رسائل داخلية وخارجية
توقيت تعيين مجتبى خامنئي يحمل دلالات رمزية؛ فإيران تمرّ بمرحلة تعتبرها دوائرها الرسمية “تهديدًا وجوديًا” بعد تصاعد الاستهداف العسكري والسياسي من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. ويرى مراقبون أن وصول نجل المرشد الراحل إلى رأس الهرم الديني والسياسي يهدف إلى توجيه رسالة مفادها أن القيادة الإيرانية لن ترضخ للضغوط الخارجية، وأنها ماضية في الحفاظ على استمرارية النظام.
وبينما وصفت وسائل الإعلام الإيرانية التصويت داخل مجلس الخبراء بأنه “حاسم ومعبّر عن إرادة وطنية”، صدرت تصريحات غربية متحفظة. فقد قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في حديث صحفي الأسبوع الماضي، إن تعيين نجل خامنئي “غير مقبول”، مضيفًا أنه كان يجب أن يكون للولايات المتحدة “دور في تحديد القيادة الإيرانية المقبلة”، بحسب تعبيره.
تهديدات إسرائيلية مفتوحة
في المقابل، أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي، يواف كاتس، تحذيرًا صريحًا قال فيه إن “أي شخصية تختارها طهران لمواصلة سياسات النظام ضد إسرائيل والعالم الحر ستُعتبر هدفًا مشروعًا للتصفية، بغض النظر عن اسمها أو مكانها”.
دعوة إلى التماسك الوطني
في ظل التحديات الأمنية والسياسية، يرى العديد من المراقبين أن القيادة الإيرانية تواجه الآن اختبارًا داخليًا يتمثل في قدرتها على الحفاظ على وحدة الصف، إلى جانب مواجهة ضغوط خارجية متصاعدة.
ومع بداية عهد جديد يقوده مجتبى خامنئي، تبدو إيران أمام مرحلة دقيقة من تاريخها، حيث تمتزج مشاعر الحداد الوطني بمخاوف من تصعيد عسكري متواصل، يقابله إصرار رسمي على الصمود تحت شعار الاستقلال السيادي ورفض التدخلات الأجنبية.
وعلى الرغم من الغموض الذي يلفّ مستقبل البلاد، تبقى الرسالة الأبرز التي تبعثها التطورات الأخيرة ـ كما يراها المراقبون ـ هي أن إيران تحاول أن تثبت أن اغتيال القادة لن يغيّر وجه نظامها، وأن انتقال القيادة تمّ، على الأقل في هذه المرحلة، في سياق دستوري معلن وسط ظروف غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
قد يعجبك
عملية استخباراتية معقدة وراء الهجوم على طهران وتصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران
ثروة “المرشد”.. كيف كان يعيش خامنئي في ترف الـ 200 مليار دولار بينما يفتك الجوع بالإيرانيين؟












