وطن-في خطوة وصفت بأنها “تاريخية ومتأخرة في آن واحد”، أعلنت الحكومة البريطانية عن تبنّي تعريف جديد لجرائم الكراهية الموجهة ضد المسلمين، بعد أشهر من المشاورات والمداولات الواسعة داخل الأوساط السياسية والمجتمعية.
جاء الإعلان على لسان وزير الإسكان والمجتمعات، ستيف ريد، أمام مجلس العموم، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل استجابة مباشرة لارتفاع غير مسبوق في معدلات جرائم الكراهية الدينية التي تستهدف المسلمين في المملكة المتحدة.
تصاعد مقلق في الاعتداءات
أوضح الوزير أن نحو نصف جرائم الكراهية الدينية المسجلة في البلاد تستهدف أفرادًا من المجتمع المسلم، مشيرًا إلى أن كثيرين باتوا يعيشون في خوف من التعرض للاعتداء فقط بسبب مظهرهم أو لأنهم يُظَنّ بأنهم مسلمون. وأضاف أن الحكومة “لا يمكنها مكافحة ما لم يتم تعريفه أولًا”، في إشارة إلى حاجة المؤسسات الرسمية إلى إطار واضح لتحديد طبيعة الكراهية ومظاهرها.
مضمون التعريف الجديد
التعريف المعتمد، والمكوَّن من ثلاث فقرات رئيسية مرفقة بوثيقة تفصيلية منشورة على موقع الحكومة، يصف “العداء ضد المسلمين” بأنه أي سلوك مقصود يشارك في أو يشجّع على أعمال عنف أو تخريب أو تحرش أو ترهيب بدوافع دينية، سواء ارتُكب ذلك فعليًا أو لفظيًا أو إلكترونيًا، ويشمل كذلك كل من يُستهدف ظنًّا بأنه مسلم.
كما يشمل التعريف الصور النمطية السلبية عن المسلمين أو من يُ perceived بكونهم كذلك، حين يتم التعامل معهم ككتلة واحدة ذات صفات سلبية ثابتة، في محاولة لتغذية الكراهية تجاههم.
ويتطرق التعريف إلى التمييز المؤسسي، مؤكدًا أن الممارسات أو السياسات التي تضع المسلمين في موقع غير متكافئ في الحياة العامة والاقتصادية تُعدّ شكلاً من أشكال العداء، إذا كانت النية فيها إقصائية أو عنصرية.
جدل واحترازات
وعلى الرغم من الترحيب الواسع بالخطوة، أثار غياب الإشارة إلى “العرق” ضمن التعريف نقاشًا حادًا بين أعضاء المجموعة الاستشارية التي شاركت في صياغته، إذ يرى بعض المنتقدين أن الفصل بين الدين والعرق قد يحدّ من شمولية التعريف.
وفي المقابل، أكد جافد خان، أحد أعضاء الفريق الاستشاري ومدير مركز الدراسات الاجتماعية “إكوي”، أن هذا التعريف لا يحمي المسلمين فحسب، بل يشمل أيضًا من يتعرضون للعداء بناءً على مظهرهم أو أصولهم العرقية، موضحًا أن “الكراهية لا تفرّق في كثير من الأحيان بين المعتقد الديني والانتماء أو الشكل الخارجي”.
جهود حكومية أوسع
وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة حكومية تحمل اسم “حماية ما يهم” (Protecting What Matters) وتهدف إلى تعزيز التماسك المجتمعي ومواجهة التطرف في ظل ما وصفته الحكومة بـ”تصاعد خطاب الكراهية وانعدام الأمن على المستوى العالمي”.
كما تعهدت السلطات بتعيين مفوض معنيّ بملف كراهية المسلمين، على غرار المفوض المسؤول عن معالجة معاداة السامية، إضافةً إلى إصدار تقرير سنوي حول حالة التطرف في البلاد، وتشديد إجراءات مراقبة منح التأشيرات لمنع دخول من يوصفون بـ”دعاة الكراهية”.
أرقام ودلالات
وأشارت بيانات مركز “إكوي” إلى أن الحوادث المناهضة للمسلمين ارتفعت بنسبة 43 في المئة بين عامي 2023 و2024، في حين قدّرت خسائر أعمال الشغب الصيفية لعام 2024 بما لا يقل عن 243 مليون جنيه إسترليني.
ورغم الصورة القاتمة للأرقام، تكشف أبحاث المركز نفسه عن جانب إيجابي في نظرة البريطانيين إلى المسلمين، إذ تبين أن الغالبية تحمل مواقف إيجابية أو محايدة تجاههم، وتتزايد النظرة الإيجابية عند عرض إسهامات المسلمين في المجتمع، من العمل التطوعي إلى المبادرات الخيرية والمشاركة المدنية.
ما وراء النص القانوني
يرى مراقبون أن اعتماد تعريف واضح لجرائم الكراهية لا يعدّ غاية في ذاته بقدر ما هو بداية لمسار طويل يتطلب تنفيذًا فعليًا وجهودًا مؤسسية لحماية المواطنين من خطاب التحريض والتمييز. فالقوانين وحدها لا تخلق التغيير ما لم تُترجم إلى ثقافة عامة تؤمن بالمواطنة والمساواة.
نحو مجتمع أكثر تماسكًا
يضع التعريف الجديد حجر الأساس لإطار يتيح للمجتمع البريطاني التعامل مع الإسلاموفوبيا بعيدًا عن التباس المفاهيم أو ازدواجية المعايير، لكنه يضع في الوقت ذاته تحديًا أمام الدولة ومؤسساتها لترجمة هذا الالتزام إلى واقع ملموس يشعر به كل من طالته الكراهية بسبب هويته أو انتمائه.
بهذا الإعلان، تفتح بريطانيا فصلًا جديدًا في معركتها ضد خطاب الكراهية، في محاولة لتأكيد أن حماية الإنسان — أيًا كان دينه أو مظهره أو أصله — هي حجر الزاوية في مجتمع يسعى إلى صون توازنه وتعدديته.
اقرأ المزيد
تصريح صادم يهز واشنطن.. نائب أمريكي: “المسلمون لا ينتمون للولايات المتحدة












