وطن-فيما تتصاعد نذر التوتر في الشرق الأوسط، تتكشف مؤشرات ميدانية وسياسية عن تعبئة عسكرية أمريكية أوسع مما يُعلَن رسميًا، وسط جدل داخلي حاد حول المشاركة في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
تعبئة تفوق المتوقع ومعارضة تتسع
كشف مركز “الضمير والحرب”، وهو منظمة غير ربحية تدعم “رافضي الخدمة العسكرية بدافع الضمير”، أن خطوطه الهاتفية لا تهدأ منذ أيام، بسبب اتصالات متزايدة من أفراد في الجيش الأمريكي يبدون رفضهم المشاركة في العمليات ضد إيران. وقال المدير التنفيذي للمركز، مايك برايزنر، إن حجم الوحدات التي جرى تفعيلها للتوجه إلى مناطق انتشار جديدة يفوق ما يعرفه الرأي العام، مؤكدًا أن حالة الاستياء في صفوف العسكريين تشبه إلى حد كبير المعارضة الواسعة التي سُجّلت خلال غزو العراق عام 2003.
وبحسب تقارير متقاطعة نُشرت خلال الأسبوع الماضي، فإن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس إدخال قوات خاصة إلى الأراضي الإيرانية، في وقت أُلغيت فيه تدريبات عسكرية كبرى كانت مقررة لوحدات من الفرقة 82 المحمولة جوًا، وهي من أبرز تشكيلات القتال الأرضي في الجيش الأمريكي، ما أثار التكهنات حول تغيير في خطط الانتشار.
استدعاء إلزامي محتمل
وفي حديث صحفي مع قناة “فوكس نيوز”، امتنعت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عن استبعاد احتمال إعادة العمل بنظام التجنيد الإلزامي. آخر مرة طُبّق فيها هذا النظام كانت في ديسمبر/كانون الأول 1972 خلال المرحلة الأخيرة من حرب فيتنام، ما يعزز إحساسًا عامًا بأن الولايات المتحدة قد تكون مقبلة على تورط عسكري واسع جديد.
صدمة إنسانية بعد قصف مدرسة البنات
وجاءت موجة الغضب داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية متزامنة مع التقارير التي تحدثت عن مقتل 165 شخصًا، معظمهم من الفتيات، في قصف استهدف مدرسة للبنات في مدينة ميناب جنوبي إيران. وتشير روايات ميدانية إلى أن الهجوم تم على مرحلتين؛ الأولى أصابت مبنى المدرسة، تلتها ضربة ثانية بعد دقائق استهدفت من حاولوا إنقاذ الضحايا، فيما يُعرف عسكريًا بـ”الضربة المزدوجة”.
وكشفت تقارير لاحقة، بينها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، عن أدلة متزايدة تشير إلى مسؤولية أمريكية مباشرة عن القصف، حيث أظهرت مقاطع مصورة بثتها وكالة “مهر” الإيرانية شبه الرسمية لحظة إصابة صاروخ “توماهوك” لقاعدة بحرية تقع بجوار المدرسة.
ورغم تراكم الأدلة، امتنعت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن الاعتراف بالمسؤولية، مؤكدة أن إيران هي من نفذت الهجوم باستخدام ذخائر “غير دقيقة”، من دون تقديم أدلة على هذا الادعاء.
رفض أخلاقي داخل الجيش
تقول المنظمة التي تتولى دعم المعترضين على الخدمة إنها تلقت مكالمة حديثة من أحد الجنود الذين يواجهون تكليفًا بالانتشار، أفاد بأنه تقدم رسميًا بطلب للاعتراف به كـ”رافض ضميري”، مضيفًا أن المعارضة للحرب داخل وحدته العسكرية “واسعة النطاق”. وأوضح المتصل للمركز أنه وزملاءه يشعرون “بالاشمئزاز” من الهجمات، خصوصًا قصف مدرسة البنات والهجوم على فرقاطة إيرانية في المياه الدولية.
إرث طويل من الاعتراض
المركز، الذي يمتد نشاطه لعقود، يمثل تقليدًا راسخًا في المجتمع الأمريكي، ولا سيما لدى الطوائف المسيحية ذات الجذور السلمية مثل الكويكرز والأميش، ممن يرون في رفض حمل السلاح موقفًا دينيًا وأخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا. ويؤكد مسؤولو المركز أن حجم الاتصالات الحالية يفوق أي موجة شهدوها منذ عقود، ما يعكس امتعاضًا واسعًا من تصعيد العمليات ضد إيران، على حد وصفهم.
توتر يفتح سجالًا أوسع
ومع تزايد الاتهامات المتبادلة بين واشنطن وطهران، يطرح المراقبون تساؤلات حول مدى قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهة مفتوحة جديدة في الشرق الأوسط، في ظل الاعتماد المتزايد لدول الخليج على المظلة الأمنية الأمريكية، وتضرر المنشآت الحيوية في المنطقة بسلسلة من الهجمات الدقيقة التي نُسبت لإيران.
خاتمة
في خضم هذه التطورات، يجد الأمريكيون أنفسهم أمام معادلة أخلاقية صعبة: بين الانخراط في حرب جديدة بذرائع أمنية، أو الإصغاء لتيار رافضي السلاح الذي يذكّر بأن للضمير مكانًا حتى في أوقات الصراع. وبين صوت التعبئة وصوت الرفض، يبقى السؤال الإنساني شاخصًا: هل يمكن أن تظل الحرب خيارًا مقبولًا في عالم يزداد عطشًا للسلام؟
اقرأ المزيد
انقلاب السحر على الساحر.. إيران تشن “حرب استنزاف” سياسية واقتصادية تربك مخططات نتنياهو وترامب
بين التسريبات الإسرائيلية والنفي الرسمي.. هل تورطت الإمارات فعلاً في قصف محطة تحلية إيرانية؟”












