وطن-في خطوة تُعيد إلى الواجهة الجدل حول سياسات الهجرة في الولايات المتحدة، رفعت منظمات حقوقية دعوى قضائية اتحادية ضد قرار إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بإنهاء برنامج “الوضع القانوني المحمي مؤقتًا” (TPS) للمواطنين الصوماليين المقيمين في البلاد، وذلك قبل أسابيع من الموعد المحدد لانتهاء البرنامج في 17 مارس.
خلفية الأزمة الإنسانية
تُشير الدعوى إلى أنّ الصومال لا يزال يعاني وضعًا إنسانيًا معقّدًا يهدّد حياة المدنيين منذ عقود، بسبب الصراعات المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان المستمرة. وقد أدرجت الولايات المتحدة الصومال ضمن قائمة الدول المشمولة بالوضع المحمي منذ عام 1991، اعترافًا بالمخاطر الأمنية التي يواجهها مواطنوها. ومنذ عام 2002، تم تمديد البرنامج عدة مرات، مع تأكيد السلطات الأمريكية في كل مرة على استمرار الظروف الاستثنائية في البلاد، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية وأعمال العنف والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون.
تفاصيل الدعوى
يؤكد المشتكون، وهم ثلاثة من حاملي وضع الحماية المؤقتة من الجنسية الصومالية إضافة إلى مقدّم طلب واحد، إلى جانب منظمتَي المجتمعات الأفريقية معًا والشراكة من أجل تقدم الأميركيين الجدد، في دعواهم القضائية أن القرار الحكومي الأخير يعرّض حياة مئات الأسر الصومالية المقيمة في الولايات المتحدة لخطر حقيقي. ويشيرون إلى أن إنهاء هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان الحماية القانونية التي تسمح لهم بالبقاء والعمل بشكل قانوني، ما قد يفتح الباب أمام ترحيلهم إلى بلد لا يزال يعاني من اضطرابات أمنية وإنسانية مستمرة.
ويضم فريق الدفاع القانوني الذي يدعم القضية عددًا من المنظمات الحقوقية البارزة، من بينها مناصرو المسلمين وتحالف جسر هايتي وصندوق الدفاع القانوني ومجتمعات متحدة من أجل الوضع والحماية. وتقول هذه المنظمات إن القضية لا تتعلق فقط بمستقبل مئات العائلات الصومالية، بل تمثل أيضًا اختبارًا أوسع لسياسات الهجرة والحماية الإنسانية في الولايات المتحدة، وما إذا كانت ستستمر في توفير ملاذ آمن للأشخاص الفارين من النزاعات والأزمات في بلدانهم.
وحذّر المحامون من أنّ سحب هذه الحماية “بطريقة غير قانونية وسريعة” يعني فقدان آلاف الأشخاص لوضعهم القانوني ولتصاريح عملهم، ويدفعهم لمواجهة أوامر ترحيل محتملة واحتجاز إداري، إضافة إلى خطر انفصال الأسر وإعادتهم إلى بلد لا يزال غير آمن.
مواقف رسمية مثيرة للجدل
كانت قد أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في يناير أنّ الحماية الممنوحة للصوماليين ستنتهي في منتصف مارس، داعية المقيمين إلى مغادرة البلاد طوعًا عبر تطبيق إلكتروني تابع للسلطات الحدودية، مع وعدٍ بتعويض مسافرهم عن تذاكر المغادرة. غير أنّ منظمات حقوقية تؤكد عدم وجود دليل على تنفيذ هذا الوعد.
وقد برّرت الإدارة السابقة القرار بقولها إنّ “الظروف في الصومال تحسّنت ولم تعد تستوفي المعايير القانونية للحماية المؤقتة”، معتبرة استمرار الإقامة المؤقتة “منافياً للمصلحة الوطنية” وأكدت أن واشنطن يجب أن “تضع الأمريكيين في المقام الأول”.
تصريحات تثير الغضب
في سياقات سابقة، وجّه الرئيس ترامب انتقادات حادة إلى الجالية الصومالية في مينيسوتا، التي تُعد الأكبر في الولايات المتحدة ويزيد عدد أفرادها على 80 ألف شخص. وقد استخدم في إحدى المناسبات تصريحات لاقت إدانات واسعة النطاق، اعتُبرت مسيئة وتمييزية بحق الصوماليين وأعضاء الكونغرس من أصول صومالية.
ويرى المدافعون عن الحقوق المدنية أنّ القرار جزء من “نمط من السياسات المعادية للأفارقة والمجتمعات ذات البشرة الملوّنة”، مشيرين إلى إلغاء برامج الحماية لدول أخرى مثل الكاميرون وهايتي واليمن، في مقابل سياسة أكثر تساهلاً تجاه المهاجرين القادمين من الدول الأوروبية. وأوضح عمر فراح، المدير التنفيذي لمنظمة Muslim Advocates، أنّ الإدارة السابقة “أظهرت استعدادًا غير مسبوق لإهانة الصوماليين وثقافتهم، بما يعكس قسوة ممنهجة في تعاملها مع المهاجرين من ذوي البشرة الملوّنة”.
واقع قانوني وإنساني متشابك
يسمح “الوضع المحمي المؤقت” للمواطنين من دول تمزقها الحروب أو الكوارث بالبقاء قانونيًا في الولايات المتحدة لفترة محددة قابلة للتجديد، منعًا لإعادتهم إلى بيئات تهدّد حياتهم. ومع ذلك، تُثار دائمًا تساؤلات حول مدى التزام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بمبدأ “عدم الإعادة القسرية”، الذي يحظر إعادة الأفراد إلى دول قد يتعرضون فيها للموت أو الأذى.
ومع اقتراب موعد انتهاء الحماية في السابع عشر من مارس، يعيش نحو 1,082 صوماليًا يحملون هذا الوضع، إضافة إلى 1,383 آخرين ينتظرون البت في طلباتهم، حالة من القلق والترقب لمصيرهم القانوني والإنساني.
تعيد القضية تعيد فتح النقاش حول مفهوم العدالة الإنسانية في سياسات الهجرة الأمريكية، وحول ما إذا كان الأمن القومي يمكن أن يبرر تعريض آلاف العائلات إلى خطر التهجير والانفصال. وبينما يستعد القضاء للنظر في الدعوى، تبقى معاناة هؤلاء الأشخاص تذكيرًا بأنّ القرارات السياسية لا تظل حبرًا على ورق، بل تمتد آثارها إلى مصائر بشر يبحثون عن الأمان والكرامة في بلدٍ لطالما رفع شعار حماية الإنسان.
اقرأ المزيد
ملاحقة قضائية لثروة إلهان عمر.. وزارة العدل والكونغرس يضعان ‘النائبة الصومالية’ تحت المجهر












