وطن-في أحياء الخليج الهادئة ظاهريًا، يواصل آلاف العمال المهاجرين أداء أعمالهم اليومية وسط أجواء يخيّم عليها القلق والخوف. فبينما يلتزم سكان المدن البقاء في منازلهم اتقاءً لاحتمال سقوط الصواريخ الإيرانية، ينطلق عمال التوصيل والسائقون وعمال البناء في شوارع شبه خالية، مدفوعين بحاجتهم القاسية إلى كسب الرزق.
بين الخوف والضرورة
يقول أحد السائقين الباكستانيين الذي يعمل في دبي منذ أربع سنوات إنه لم يعد يملك ترف التوقف: “أتيت إلى هنا لأكسب لقمة العيش، وعليَّ أن أعمل في كل الظروف. إذا لم أقد الدراجة، فلن أجد ما آكله.”
مشهد مشابه يتكرر في أبوظبي والدوحة والمنامة. يقضي العمال ساعات طويلة في العمل بنظام العمولة أو الأجر اليومي، ما يجعل التوقف خيارًا مستحيلًا. أحد عمّال التوصيل البنغاليين أوضح أن الطرق كانت خالية في اليوم الأول بعد القصف، لكن سرعان ما عاد إلى عمله في اليوم التالي، مضيفًا أن “الزبائن صاروا أكثر سخاءً في الإكراميات، ربما امتنانًا لمن يغامر من أجل إيصال طلباتهم”.
هشاشة غير مرئية
تؤكد منظمات حقوقية أن هؤلاء العمال، الذين يشكّلون النسبة الأكبر من سكان دول مثل قطر والإمارات، يجدون أنفسهم في مواجهة الخطر دون أي ضمانات تُذكر. مصطفى قدري، المدير التنفيذي لمنظمة إيكوديم، أوضح أن فريقه المنتشر في دول عدة من بينها الإمارات وقطر والسعودية رصد حالة “هلع جماعي واضطراب نفسي واسع النطاق” بين صفوف العمال.
وأشار قدري إلى أن التمييز يتخذ شكلين رئيسيين: الأول هو تغييب العمال عن خطط الحماية الرسمية وغياب التواصل الفعّال معهم بشأن الملاجئ وطرق الإخلاء والدعم الطارئ. أما الثاني فهو “تمييز هيكلي” يجعلهم مجبرين على مواصلة العمل حتى أثناء الهجمات باعتبارهم عمالًا أساسيين في قطاعات البناء والضيافة والأمن والخدمات اللوجستية.
ويضيف: “هناك قرار واعٍ بتوظيف عمال من دول فقيرة بأجور منخفضة لأنهم أقل قابلية للاعتراض أو المطالبة بالحماية”.
الخطر في الشوارع
أكثر الفئات عرضة للخطر هم عمّال التوصيل وسائقو التطبيقات، الذين يبقون في الشوارع فيما يختبئ الآخرون في منازلهم. ومع تصاعد التوتر الإقليمي، ازداد الطلب على خدمات التوصيل بشكل غير مسبوق، ما جعل هؤلاء العمال في مواجهة مباشرة مع المخاطر.
أحد العمال الباكستانيين في أبوظبي وصف الأيام الأولى بعد القصف بأنها “فوضى متواصلة” قائلاً إنه عمل ليلًا ونهارًا دون توقف تقريبًا، بينما أشار آخر في دبي إلى أن النظام القائم على الدفع مقابل الطلبات “لا يترك أي مساحة للخوف أو الراحة”، مضيفًا: “إذا لم أعمل، لن أحصل على أي دخل”.
شهود على الحرب… ومتهمون بها
بمرور الأيام، تحوّل العمال أيضًا إلى “عيون” غير رسمية للحرب، إذ انتشرت عبر الإنترنت مقاطع مصوّرة التقطوها لهجمات الصواريخ أو آثارها. غير أن بعضهم لم يسلم من تبعات ذلك. ففي البحرين، اعتُقل خمسة باكستانيين وعامل من بنغلاديش بعد نشرهم تسجيلات للقصف، بدعوى “تمجيد الهجمات”. يخشى قدري أن تمتد هذه الملاحقات إلى دول أخرى مثل الإمارات، التي تفرض قيودًا صارمة على تصوير الأحداث الأمنية.
وحذّر من أن العمال قد يتحولون إلى ضحايا مزدوجين، قائلاً: “كما في غزة، يصبح الفقراء هم شهود المآسي… لكنهم هنا يُحاسبون على مجرد نقل الحقيقة”.
غياب الدعم من أوطانهم
إلى جانب المخاطر الأمنية، يواجه هؤلاء العمال شعورًا متزايدًا بالعزلة. فالدول التي جاءوا منها – مثل نيبال وبنغلاديش والهند وكينيا وإثيوبيا – لم توفّر الدعم القنصلي الكافي، رغم ضغط العائلات في الداخل. ويشير قدري إلى أن ردود تلك الحكومات “ما تزال قاصرة وغير فعالة”، خصوصًا بالنسبة للعاملين في القواعد العسكرية الأمريكية والغربية داخل الخليج، حيث يُخلى الموظفون الغربيون عند تصاعد الخطر، بينما يُطلب من العمال المهاجرين البقاء لتشغيل الخدمات الأساسية.
قصص من الميدان
في قطر، يروي شاهين عبد الله كيف توقفت سيارته فجأة حين سقطت شظية محترقة على الطريق أمامه بينما كانت أسرته في سيارة أخرى خلفه. يقول: “تمنيت لو لم يشاهدوا ذلك المشهد”. وعلى الرغم من الموقف المروّع، عاد عبد الله بعد ساعات إلى متجره في الدوحة، مشيرًا إلى أن الحياة التجارية لا تعرف التوقف. “لا أحد يستطيع أخذ إجازة، الجميع مضطر للاستمرار”، يضيف بهدوء.
ويصف عبد الله المفارقة الكبرى في المشهد الخليجي اليوم: “بينما تُجلي الدول الأوروبية رعاياها، لا يملك الكثير منّا مكانًا يعود إليه أو المال اللازم للرحيل”. أما النقاشات داخل مجتمعه العمّالي فلم تعد تدور حول الأمن أو الصدمة النفسية، بل حول الأسئلة السياسية ومتى ستنتهي الحرب.
ويختتم حديثه قائلاً: “الخوف أصبح جزءًا من يومنا. نقضي خمس عشرة دقيقة كل يوم نفكر في الشظايا التي قد تسقط علينا، ثم نكمل العمل كأن شيئًا لم يكن”.
إنسانية غائبة
العمال الذين يبنون مدن الخليج ويُسيّرون خدماتها الحيوية باتوا اليوم في خط النار، يواجهون الخطر بصمت ويستمدّون قوتهم من الحاجة. وبين ضجيج الصواريخ وصمت الملاجئ المغلقة في وجوههم، يبقى السؤال الإنساني مفتوحًا: من يحمي حقوق أولئك الذين يحمون حياة الآخرين؟
اقرأ المزيد
زلزال الحرب في إيران يضرب استقرار البحرين: قلق من توسع رقعة “الاضطرابات المدنية”
ما بعد القصف الإيراني لدبي.. هل انتهى زمن ‘الأمان التجاري’ في الشرق الأوسط؟
دبي وأبوظبي بين وهم الأمان وواقع الحرب: الأثرياء يفرون والرياض تصبح بوابة النجاة












