وطن-في أزمنة الاضطراب السياسي، حين تتزعزع ثقة الشعوب في سلطاتها، تنشأ ظاهرة متكررة عرفها التاريخ مرارًا: الأنظمة الحاكمة تميل إلى اتهام معارضيها بالخيانة أو الإرهاب، في محاولة لحماية شرعيتها المهدّدة. هذه ليست سمة لبلد أو عصر بعينه، بل نمط يجد جذوره في طبيعة السلطة ذاتها وسعيها للبقاء.
تؤكد نظريات علم الاجتماع السياسي أن ركائز الحكم لا تقوم فقط على القوة المادية أو أجهزة القمع، بل على القبول الاجتماعي لسلطته. فكما أوضح عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لا يطول عمر أي نظام ما لم تؤمن أغلبية معتبرة من الناس بشرعيته. غير أنّ هذه الشرعية ليست ثابتة، وحين تتصدع، يبرز صوت المعارضة كقوة جديدة يمكن أن تقلب موازين الحكم. وفي مثل هذه اللحظات، يعمد بعض القادة إلى تصوير أصوات الاعتراض كتهديد للأمن الوطني، بدلاً من النظر إليها كمؤشر لأزمة أعمق داخل المجتمع.
المنظّرة السياسية حنّة أرندت ربطت بين فقدان الأنظمة شرعيتها وازدياد لجوئها إلى العنف والدعاية. في نظرها، النظام الذي يضعف سياسيًا يميل إلى استخدام لغة التخوين والشيطنة بحق خصومه، ليحوّل المعركة الفكرية إلى صراع وجودي. عندها تتحول أدوات السلطة من الإقناع إلى القمع، ومن الحوار إلى التحريض.
ينطبق هذا المشهد على التجربة الإيرانية الحديثة. فقد واجه النظام الديني الحاكم في طهران موجات متكررة من الاحتجاجات، أبرزها تلك التي اندلعت في 8 يناير/كانون الثاني 2026، عندما خرج المواطنون إلى شوارع العاصمة احتجاجًا على انهيار العملة. وخلال هذه الاضطرابات، اتُّهم المتظاهرون بأنهم عملاء لأطراف خارجية، في تكرار لوصف درجت عليه السلطات كلما واجهت تحديًا داخليًا.
منذ عقود، يسعى النظام الإيراني إلى وصم خصومه بلقب “الإرهابيين”. فقد أنفقت السلطات مبالغ ضخمة في حملات دعائية بالغرب لتصوير “منظمة مجاهدي خلق” كجماعة متطرفة، ونجحت لفترة في إدراجها ضمن قوائم الإرهاب في أوروبا والولايات المتحدة بطلب من الرئيس الأسبق محمد خاتمي، مقابل وعود بتحسين العلاقات مع طهران. ومع ذلك، وبعد سنوات من الملاحقة السياسية والإعلامية، أُزيل اسم المنظمة من تلك القوائم. وفي الوقت نفسه، ظل “الحرس الثوري” – المتهم بالضلوع في عمليات عنف خارج الحدود – يتحرك بحرية داخل المنطقة.
ليست إيران استثناءً في هذا المسار. ففي أوروبا أثناء الاحتلال النازي، صُنّف المقاومون الفرنسيون بـ”الإرهابيين” من قبل حكومة فيشي وحليفها الألماني. وفي أيرلندا، وُصِف المطالبون بالاستقلال بأنهم “عصابات إجرامية”، كما واجه قادة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن الماضي اتهامات بالشيوعية وتهديد الأمن القومي. حتى الثوار الذين أسسوا جمهوريات الحرية الأولى، مثل جورج واشنطن، وُصفوا زمنهم بالخونة والمتمردين.
في إيران ذاتها، تكررت هذه الممارسة منذ عهد الشاه، حين حاول النظام الملكي نزع شرعية مجاهدي خلق بوصفهم “ماركسيين إسلاميين”، في محاولة لعزلهم عن المجتمع الديني آنذاك. ورغم سقوط الشاه، ما زالت روايات مشابهة تُستخدم حتى اليوم في بعض المنابر السياسية. تتغير الاتهامات بين كونهم مدعومين من السعودية أو العراق، لكنها تبقى وسيلة لتقويض الدعم الشعبي لهم.
وفي 23 فبراير/شباط، أعلنت طهران أن وحدات مقاومة تابعة للمنظمة نفّذت هجومًا ضد المرشد علي خامنئي، ما أحدث صدمة داخل العاصمة وأسفر عن مقتل واعتقال العشرات. النظام وصف العملية بالإرهاب، بينما رأى أنصاره فيها تضحية جديدة من أجل الحرية. وبعد وقت قصير، وقبل وفاته، ألقى خامنئي خطابه الأخير مؤكدًا أن المحتجين الذين ينزلون إلى الشوارع “عملاء للخارج” تلقوا التمويل والتدريب من قوى أجنبية.
التجارب العالمية – من فرنسا إلى إيران – تشير إلى أن تجريم المعارضين ليس مجرد دعاية آنية، بل سياسة متجذرة في كل سلطة تخشى السقوط. فهي تحاول تبرير قمعها بإحلال رواية “الخطر الخارجي”، وكأنّ الخلاف السياسي مؤامرة وليست مطالبة بالتغيير. ومع ذلك، تُثبت الوقائع أن الزمن يميل إلى كشف الحقيقة، وأن من نُعتوا يومًا بالإرهاب قد يُذكرون لاحقًا كصانعي حرية. كما يقول المثل الفارسي القديم: الشمس لا تختبئ إلى الأبد خلف الغيوم.
اقرأ المزيد
بين نيران القصف والإعدامات السرية.. صرخة عائلات المعتقلين السياسيين في إيران












