وطن-وسط مياه الخليج الهادئة ظاهريًا، تقبع جزيرة صغيرة لا يتجاوز طولها بضعة كيلومترات، لكنها تحمل وزناً استراتيجياً يفوق بكثير مساحتها الجغرافية. إنها جزيرة خرج الإيرانية، التي تحولت خلال العقود الماضية إلى أحد أهم مفاتيح الاقتصاد الإيراني وأحد أكثر المواقع حساسية في معادلة الأمن والطاقة في الشرق الأوسط.
تقع الجزيرة على بعد نحو 25 كيلومتراً فقط من الساحل الإيراني، لكنها تمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً لطهران. فمنذ ستينيات القرن الماضي أصبحت خرج الميناء النفطي الأهم في البلاد، حيث تُشحن منها غالبية صادرات النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.
تشير التقديرات إلى أن نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيراني تمر عبر هذه الجزيرة الصغيرة، ما يعني أن تسعة من كل عشرة براميل نفط تبيعها إيران يتم تحميلها من منشآتها. وبذلك تحولت خرج إلى عقدة حيوية في شبكة الطاقة الإيرانية، بحيث إن تعطيلها قد يؤدي إلى شلل اقتصادي واسع داخل البلاد.
لكن المفارقة أن هذه الأهمية الاستراتيجية ترافقها هشاشة عسكرية نسبية. فالبنية التحتية النفطية في الجزيرة مكشوفة إلى حد كبير، وتشمل خزانات ضخمة للنفط وأرصفة طويلة لرسو ناقلات عملاقة، إضافة إلى مدرج طيران صغير يخدم المنشآت النفطية والعسكرية.
ورغم هذه الهشاشة، لم تتحول الجزيرة حتى الآن إلى هدف مباشر في الصراعات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. ويرجع ذلك إلى حسابات دقيقة تتجاوز إيران نفسها، إذ إن ضرب منشآت خرج قد يتسبب في اضطراب كبير في سوق الطاقة العالمي.
فالتوقف المفاجئ لصادرات النفط الإيراني يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز عالمياً، وهو ما قد ينعكس بدوره على تكاليف النقل والصناعة وحتى أسعار الغذاء في الأسواق الدولية.
كما أن استهداف الجزيرة قد يدفع طهران إلى ردود تصعيدية في الخليج، مثل استهداف منشآت نفطية لدول أخرى في المنطقة أو تعطيل حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية.
هذه الحسابات المعقدة جعلت الجزيرة لعقود خطاً أحمر غير معلن في العديد من الخطط العسكرية. ويقول مايكل دوران، المسؤول السابق في الإدارة الأمريكية، إن واشنطن رسمت منذ زمن خطاً أحمر حول خرج، لأنها لا ترغب في تدمير الأساس الذي قد يقوم عليه الاقتصاد الإيراني بعد أي حرب محتملة، كما لا تريد التسبب في ارتفاع كبير بأسعار النفط.
لكن الجدل حول الجزيرة ليس جديداً. ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تحدث الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب عن الجزيرة خلال مقابلة صحفية أثناء الترويج لكتابه الشهير The Art of the Deal. آنذاك، قال ترامب إن الولايات المتحدة إذا تعرضت لهجوم إيراني فقد يكون الرد بالذهاب إلى الجزيرة والسيطرة عليها.
واليوم، تعود هذه الفكرة إلى الواجهة في بعض النقاشات الاستراتيجية داخل الأوساط السياسية والعسكرية الغربية، حيث تشير تقارير إعلامية إلى مناقشات غير رسمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول سيناريوهات محتملة تتعلق بالجزيرة، من بينها السيطرة عليها بدلاً من تدمير منشآتها النفطية.
غير أن مثل هذا السيناريو يظل نظرياً إلى حد كبير، إذ إن تنفيذه على الأرض سيكون معقداً للغاية من الناحية العسكرية والسياسية. فاحتلال الجزيرة أو فرض السيطرة عليها قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة مع إيران، ويهدد بتحويل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة.
وفي ظل هذه الحسابات الدقيقة، تبقى جزيرة خرج واحدة من أكثر النقاط حساسية في الشرق الأوسط. فهي جزيرة صغيرة من حيث المساحة، لكنها تختزن في باطنها وعلى سواحلها مفاتيح الاقتصاد الإيراني، كما تحمل في الوقت نفسه إمكانية إشعال أزمة طاقة عالمية إذا ما تحولت إلى ساحة مواجهة مباشرة.
وهكذا، تظل خرج أشبه ببركان خامد في قلب الخليج: هادئة على السطح، لكنها قادرة على تفجير سلسلة من الأحداث التي قد تغيّر خريطة الصراع وأسواق الطاقة في العالم.
اقرأ المزيد
إغلاق إيران لمضيق هرمز وتأثيره العالمي على أمن الطاقة وأسعار النفط
تقرير عبري: إيران تحتفظ بقدراتها القتالية والسلطة في طهران لا تواجه خطر السقوط الوشيك












