وطن – تواجه إدارة دونالد ترامب مأزقًا متزايد التعقيد في الحرب الدائرة مع إيران، إذ تشير تطورات الميدان إلى أن إنهاء هذا الصراع قد لا يكون بيد واشنطن بسهولة، حتى لو رغبت في ذلك. ووفق تحليل نشرته شبكة CNN للصحفي نيك باتون وولش، فإن الحرب التي بدأت بضربات عسكرية سريعة قد تتحول إلى مواجهة طويلة لا يمكن حسمها بسهولة.
ومنذ الأيام الأولى للحرب، سعت الإدارة الأمريكية إلى تصوير العمليات العسكرية باعتبارها نجاحًا سريعًا يمكن أن يفرض واقعًا سياسيًا جديدًا على طهران. لكن الواقع العسكري يختلف عن منطق المنافسات الرياضية؛ فلا توجد لحظة محددة يعلن فيها الحكم انتهاء المباراة أو فوز طرف على آخر. فالنصر في الحروب لا يُقاس بالخطاب السياسي أو بالرسائل الإعلامية، بل بقدرة أحد الأطراف على فرض تغيير حقيقي في سلوك خصمه.
وبحسب التحليل، فإن السؤال الجوهري الذي يواجه واشنطن اليوم ليس مجرد إعلان النصر، بل إجبار إيران على التصرف كما لو أنها هُزمت بالفعل. وهذا هدف أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد تنفيذ ضربات جوية مكثفة.
ويبدو أن ترامب وقع في أحد أكثر أخطاء الحروب الحديثة تكرارًا: الاعتقاد بأن عملية عسكرية سريعة ومحدودة يمكن أن تحقق نتائج سياسية حاسمة ودائمة. التاريخ مليء بأمثلة مشابهة؛ فقد ظن الاتحاد السوفييتي أن تدخله في أفغانستان سيكون سريعًا، كما اعتقدت الولايات المتحدة عام 2003 أن حرب العراق ستنتهي بسهولة، بينما ظن الرئيس الروسي بوتين أن حملته في أوكرانيا ستكون قصيرة. لكن جميع هذه الصراعات تحولت إلى حروب طويلة ومعقدة.
أحد العوامل التي ساهمت في تعقيد المشهد هو الضربة التي استهدفت القيادة الإيرانية، والتي جاءت – بحسب التحليل – استنادًا إلى معلومات استخباراتية قدمتها إسرائيل. غير أن أهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تختلف عن حسابات واشنطن؛ فإسرائيل ترى في إضعاف إيران على المدى الطويل مصلحة استراتيجية، حتى لو أدى ذلك إلى صراع ممتد.
وقد أدى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى فراغ سياسي لم يُحسم بعد، بل فتح الباب أمام صعود شخصيات أكثر تشددًا، وعلى رأسها ابنه مجتى خامنئي. وهذا التطور قد يعقّد فرص التوصل إلى نهاية سريعة للحرب.
في الوقت ذاته، يبدو أن الحرس الثوري الإيراني يسعى إلى الرد بقوة على سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قياداته. وتؤكد التحليلات أن هذه الرغبة في الانتقام قد تدفع الصراع نحو مزيد من التصعيد بدل التهدئة.
وبعد أقل من أسبوعين على بدء العمليات، تحولت الحرب إلى اختبار طويل للقدرة على الصمود. فالولايات المتحدة تستطيع مواصلة القصف لفترة طويلة، لكن ذلك سيستنزف مخزونها من الذخائر ويزيد الضغوط السياسية الداخلية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر، إضافة إلى خطر سقوط ضحايا أمريكيين.
أما إيران، فرغم خسارتها منصات إطلاق وصواريخ وبنى تحتية عسكرية، فمن المرجح أن تحتفظ بقدرات كافية للاستمرار في القتال. ويشير التحليل إلى أن قادة الحرس الثوري كانوا يستعدون لسيناريو كهذا منذ سنوات، ما يجعل قدرتهم على مواصلة المواجهة مرتفعة حتى مع الخسائر.
كما أن الضربات الجوية غالبًا ما تُحدث أثرًا سياسيًا معكوسًا. فالقصف الخارجي قد يدفع قطاعات مختلفة من المجتمع الإيراني – رغم خلافاتها مع النظام – إلى الاصطفاف خلفه في مواجهة الهجوم الخارجي. وهكذا يتراجع الحديث عن تغيير النظام أو اندلاع انتفاضة شعبية واسعة، وهي فكرة كانت تراهن عليها بعض التقديرات في بداية الحرب.
وفي المحصلة، تكشف الحرب حدود القوة الجوية الأمريكية. فهي قادرة على إضعاف الخصم أو تغيير بعض قياداته، لكنها لم تنجح حتى الآن في إجبار النظام الإيراني على تغيير سلوكه أو الانهيار. ومع مرور الوقت، قد تصبح الضربات أقل تأثيرًا عسكريًا وأكثر خطورة على المدنيين، خاصة مع تقلص الأهداف العسكرية الواضحة واندماجها تدريجيًا في البنية المدنية.
ويخلص تحليل شبكة سي إن إن إلى أن إدارة ترامب قد تجد نفسها في موقف صعب: حرب بدأتها بسهولة نسبية، لكنها قد لا تملك القدرة على إنهائها بالشروط التي تريدها.
اقرأ أيضاً:
كيف تسعى إيران لإنهاء صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل بشروطها الخاصة؟
جزيرة خرج الإيرانية.. عقدة النفط في الخليج ونقطة اشتعال محتملة في صراع المنطقة
تجاوز الخطوط الحمراء: هل بدأت مواجهة ‘حزب الله’ الشاملة رداً على قصف إيران؟












