وطن-تواجه تركيا ضغوطًا اقتصادية متزايدة في ظل تداعيات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث انعكست الأزمة الجيوسياسية على مؤشرات الاقتصاد التركي، لتسجّل معدلات تضخم تفوق التوقعات، وتفاقم عجز الحساب الجاري مع هروبٍ سريع لرؤوس الأموال الأجنبية.
تضخم مرتفع وتقلّب مالي
قبل اندلاع الصراع الأخير، كانت مؤشرات الأسعار في تركيا تسلك منحى تصاعديًا مقلقًا. ففي فبراير/شباط، ارتفع معدل التضخم الشهري إلى نحو 2.96 في المئة، ليرتفع المتوسط السنوي إلى 33.39 في المئة، أي أكثر من ضعف الهدف الرسمي الذي حددته الحكومة لنهاية عام 2026 عند 16 في المئة.
وتشير تقديرات مصرفيين دوليين إلى أن المستثمرين الأجانب تخلّصوا من أصول تركية تتراوح قيمتها بين 25 و30 مليار دولار منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير، مفضلين الاحتفاظ بالنقد الأمريكي بدلاً من التعرض لمخاطر الأصول المحلية. هذا التوجه أجبر البنك المركزي على استخدام جزءٍ ملحوظ من احتياطاته من النقد الأجنبي في محاولة لتهدئة الأسواق والحفاظ على استقرار الليرة.
تحرك عاجل للبنك المركزي
تحت قيادة المحافظ فاتح كرهان، تحرك البنك المركزي بسرعة عبر جملة من الإجراءات لاحتواء الهزات المالية. ووفق تقارير اقتصادية، أنفق البنك ما يقارب 25 مليار دولار خلال عشرة أيام، في ظل اضطرابات حادة بأسواق الطاقة نتيجة المخاوف من إغلاق مضيق هرمز. كما قرر البنك تجميد دورة خفض أسعار الفائدة مؤقتًا، محددًا سعر الإقراض الليلي عند 40 في المئة بهدف كبح التقلبات المتسارعة.
أسعار الطاقة: عبء إضافي على الاقتصاد التركي
بصفتها دولة مستوردة للطاقة، تجد أنقرة نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع ارتفاع أسعار النفط، إذ يشير الخبراء إلى أن كل زيادة بمقدار عشرة دولارات في سعر البرميل قد ترفع عجز الحساب الجاري السنوي بنحو 5.1 مليارات دولار. ومع ارتفاع الأسعار بنحو 30 دولارًا منذ مطلع العام، يُقدَّر أن يضيف ذلك ما يقارب 15 مليار دولار إضافية إلى العجز، الذي بلغ في يناير/كانون الثاني وحده 6.8 مليارات دولار، مدفوعًا بزيادة واردات الذهب والطاقة.
وفي تقدير الخبيرة الاقتصادية إيريس جيبري، فإن متوسط أسعار الغاز الطبيعي البالغ 63 دولارًا للبرميل، واستقرار أسعار النفط حول 80 دولارًا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، قد يدفع بالعجز إلى مستويات تصل إلى 35 مليار دولار.
خطوات حكومية لتهدئة السوق
أعلن وزير المالية التركي محمد شيمشك، مؤخرًا عن تفعيل آلية ضريبية تهدف إلى الحد من أثر ارتفاع أسعار الوقود على المستهلكين، من خلال تقليص الضريبة الخاصة على الاستهلاك لدعم استقرار الأسعار المحلية. وتُستخدم هذه الآلية أيضًا كوسيلة غير مباشرة لمحاربة التضخم الداخلي، في محاولة للتخفيف عن المواطنين أمام موجة ارتفاع الأسعار.
انعكاسات الحرب على قطاع السياحة
ومع اتساع نطاق المواجهات في المنطقة، حذرت دوائر اقتصادية من احتمال تراجع عائدات السياحة التركية، خاصة بعد تسجيل ثلاث هجمات صاروخية إيرانية باتجاه ولاية أضنة. ويرى مراقبون أن استمرار تصاعد التوتر قد يثير مخاوف لدى السائحين الأجانب، خصوصًا تجاه الوجهات الساحلية التي تشهد إقبالًا واسعًا في فصل الصيف.
خبراء: الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية
دعا الخبير الاقتصادي والمستثمر الدولي تيموثي آش، البنك المركزي إلى تبني نهج أكثر تشددًا في السياسات النقدية، مؤكدًا أن حجم المخاطر الجيوسياسية يستدعي رفع أسعار الفائدة بدلًا من الاكتفاء بوقف الخفض. وأوضح أن التطورات الراهنة “تسير في مسار تصاعدي”، معتبرًا أن طهران قد تستخدم استمرار الأزمة كورقة ضغط للحصول على ضمانات سياسية واقتصادية.
بين ضغوط الطاقة، وتقلّبات الأسعار، والتوترات الأمنية، يجد الاقتصاد التركي نفسه أمام ظرف دقيق يتطلب توازنًا حذرًا بين حماية الاستقرار المالي والحفاظ على النمو. ومع أن الإجراءات الطارئة تسعى لاحتواء التقلبات الراهنة، تبقى قدرة أنقرة على استعادة ثقة المستثمرين وتحقيق أهدافها الاقتصادية مرهونة بانحسار المخاطر الإقليمية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
اقرأ المزيد
تركيا تبحث الانضمام إلى التحالف الدفاعي الباكستاني السعودي في مفاوضات متقدمة
تركيا تدفع نحو أدوار جديدة.. وإسرائيل لا تملك الـ اللاءات












