وطن-في خطوة وُصفت بأنها رسالة احتجاج واضحة على ما يجري داخل أروقة الإدارة الأمريكية، أعلنت سميرة مُنشي، العضو المسلم الوحيد في المجلس الاستشاري للحريات الدينية التابع للبيت الأبيض، استقالتها من منصبها، اعتراضًا على قرار إقالة المفوضة الكاثوليكية كاري بريجان بولر بسبب مواقفها المناهضة للصهيونية.
تأتي هذه الاستقالة في وقتٍ تتزايد فيه الانتقادات الموجهة للّجنة التي شُكلت بقرار من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو/أيار 2025، لتكون جهة استشارية تُعنى بمتابعة قضايا الحرية الدينية وترفع تقاريرها مباشرة إلى الرئيس.
خلاف عقائدي يتحول إلى صدام سياسي
القضية التي أثارت الجدل بدأت بعد تداول مقطع مصوَّر من اجتماع للجنة في فبراير/شباط الماضي، ظهرت فيه بولر تؤكد خلال نقاش حاد أنّ الكاثوليكية والصهيونية “لا يمكن التوفيق بينهما”. وبعد أيام، تلقّت بولر قرار إقالة من البيت الأبيض، وقالت لاحقًا عبر منصة “إكس” إنّ الإجراء جاء نتيجة موقفها المعارض لما وصفته بـ”الإبادة الجماعية” التي ترتكبها إسرائيل في غزة، ورفضها الاتهامات بمعاداة السامية.
اللجنة لم تُصدر بيانًا رسميًا، فيما أحالها وزير العدل إلى تصريحات دان باتريك، نائب حاكم ولاية تكساس ورئيس لجنة الحريات الدينية، الذي كتب في 11 فبراير أنّه “لا يحق لأي عضو تحويل جلسات اللجنة إلى منبر سياسي يخدم أجندته الخاصة”، معلنًا في الوقت ذاته إبعاد بولر من عضويتها. غير أن الأخيرة ردّت بأنّ قرار إقالتها من صلاحيات الرئيس وحده.
“بيئة عدائية للمسلمين”
الاستقالة التي قدّمتها مُنشي وجّهت انتقادات صريحة لأجواء اللجنة، معتبرة أن بعض أعضائها يتعاملون بـ”استهزاء وعداء تجاه المسلمين”، على حدّ وصفها. وقالت في خطابها: “إذا لم يكن الإنسان في أمريكا قادرًا على التمسك بقناعته الدينية وممارسة حقه في حرية الاعتقاد رغم اختلاف الآخرين، فأين يمكن أن يكون حرًّا إذًا؟”.
وأوضحت أن غياب التمثيل الإسلامي في المناصب القيادية داخل اللجنة جعلها تشعر بالعزلة، مشيرة إلى أنها لم تتلقَّ منذ سبتمبر/أيلول 2025 قوائم الشهود قبل الجلسات بعد أن تحدثت عن “الحق الدستوري للطلبة في الاحتجاج على قتل الفلسطينيين”. وأضافت أنّها لا تعلم إن كان ذلك بسبب إجراء تنظيمي أو عقوبة غير معلَنة على تصريحاتها آنذاك.
تحالف إنساني في وجه الخطاب الواحد
منذ تلك الواقعة، نشأت علاقة مهنية وإنسانية بين مُنشي وبولر، تحوّلت لاحقًا إلى تضامن متبادل. تقول مُنشي: “وجدت في كاري احترامًا نادرًا للمسلمين داخل التيار المحافظ الأمريكي”. وتضيف أن موقف بولر من الحرب على غزة ثم حرب الولايات المتحدة وحلفائها ضد إيران كان دافعًا إضافيًا لقرارها بالاستقالة.
وفي خطابها الأخير، عبّرت مُنشي عن رفضها لـ”استهداف الأطفال والمدنيين في إيران وفلسطين بتمويل أميركي مباشر”، معتبرة أن الإدارة “تنتهك الدستور بإهمالها حماية حرية التعبير والاعتقاد، كما تتجاوز صلاحياتها في شنّ الحروب”.
قضية تتفاعل خارج اللجنة
الجدل لم يتوقف عند خروج العضوين؛ إذ أشار خبراء قانونيون إلى احتمال خرق اللجنة لقانون اللجان الاستشارية الفيدرالية (FACA)، الذي يلزمها بالتوازن والشفافية وضمان تمثيل متنوع، وهي قضايا بدأت لجان في الكونغرس التحقيق بشأنها. كما كانت منظمات دينية قد رفعت دعاوى تطعن في شرعية اللجنة وأهدافها حتى قبل الجلسة التي فجّرت الخلاف.
من جهتها، نفت مُنشي الاتهامات التي وُجهت إليها من جيسون بيدريك، أحد المستشارين القانونيين في المؤسسة نفسها، والذي زعم أنّها ساعدت بولر في إعداد مداخلتها خلال الاجتماع. وردّت قائلة: “لم أزوّدها بأي نقاط أو نصوص. كل ما حدث أنني كنت أوثّق الجلسة بناءً على طلبها”.
ما بين القناعة والاحتجاج
بولر، التي كانت قد رشحت عدّة منظمات فلسطينية وأصوات يهودية أمريكية للمشاركة في جلسات الاستماع “من أجل التوازن”، قالت إنها شعرت بالعزلة منذ ارتدائها دبوس العلم الفلسطيني ودفاعها عن حرية الفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعي. واستذكرت: “كنت أمام خيار السكوت أو قول الحقيقة… لم أستطع التزام الصمت بينما يُغفل الناس معاناة الفلسطينيين”.
وأضافت أنّ إبعادها عن لجنة يُفترض أن تحمي الحرية الدينية “يتناقض مع القيم الأمريكية”، قائلة: “لقد خذلنا هذا الرئيس، وخان دستورنا”.
استقالة بموقف لا بخوف
في ختام رسالتها، شددت مُنشي على أنّ قرارها لم يكن بدافع الخوف أو التهديد، بل “تعبير عن رفض الظلم داخل المؤسسة نفسها”. وأكدت أنها لم تتقاض أي مقابل مالي عن عضويتها، رغم تغطية الحكومة لنفقات السفر، التي امتنعت عن قبولها.
تأتي هذه الأحداث في وقت تفيد فيه التقارير بأن الحرب المستمرة على غزة أودت بحياة أكثر من 72,136 فلسطينيًا، بينهم 651 قُتلوا بعد وقف إطلاق النار الذي رعته إدارة ترامب، بينما تتصاعد الأسئلة حول مدى التزام الإدارة بشعاراتها عن “الحرية الدينية” و”حقوق الإنسان”.
في نهاية المطاف، تُجسّد استقالة سميرة مُنشي صورة مأزقٍ أوسع تواجهه الولايات المتحدة بين خطابها الرسمي القائم على حماية الحريات، وممارساتٍ يرى منتقدون أنها تتناقض مع جوهر تلك القيم، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بأصوات تعارض الصهيونية أو تدافع عن حقوق الفلسطينيين.
اقرأ المزيد
استغلال النسوية في البروباغندا العسكرية: كيف تحتفي إسرائيل بمجنداتها بينما تسحق نساء غزة؟”
تداعيات الحرب على إيران.. لماذا منعت الحكومة البريطانية مسيرة ‘يوم القدس’ هذا العام؟












