وطن-في أجواء يغلفها الدخان وضجيج الطائرات، تستيقظ مدن إيران على مشهد أمني غير مسبوق. فبينما تتواصل الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية ضد البلاد، يجد الإيرانيون أنفسهم محاصرين بخوف مزدوج: نيران الخارج وتشديد القبضة في الداخل.
منذ مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي قبل أسبوعين، تحولت الشوارع الإيرانية إلى نقاط تفتيش ورقابة، تتقاطع فيها سيارات الأمن ودوريات «الباسيج» مع حشود المؤيدين الذين يملؤون الساحات بهتافات الولاء. وتقول مصادر محلية إن هذه التعبئة جاءت بعد دعوات رسمية لتكثيف «الحضور الشعبي» في الميادين، فيما يرى سكان كثر أن الدولة تسعى من خلالها إلى استعراض السيطرة بعد الاضطرابات الأخيرة.
في مدينة يزد، تصف سيمة، وهي أمّ في الثانية والأربعين، لحظات الرعب التي عاشتها قبل أيام عندما حاصرتها دراجات نارية تقلّ شبانًا موالين للنظام. تقول إنهم بدأوا يركلون سيارتها وسط الزحام بينما كان ابنها الصغير يصرخ خوفًا. «كانوا يصرخون بأن القائد عاد شابًا، وكأنهم يحتفلون بخوفنا»، تضيف بعصبية.
المشهد ذاته يتكرر في طهران، حيث تنتشر الحواجز عند المداخل الرئيسة لأحياء العاصمة. علي، وهو موظف في الرابعة والثلاثين، يؤكد أن العاصمة «صارت مخنوقة». يروي أن شبانًا من الباسيج وبعضهم مراهقون، يوقفون السيارات ويسألون المارة عن وجهتهم وأعمالهم. يقول: «كأنهم يطلقون كلابًا سائبة في المدينة، لا أحد يشعر بالأمان».
السلطات، من جهتها، لا تُخفي تشجيعها لهذا الوجود المكثف. ففي 11 مارس، دعا رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف عبر منشور على منصة إكس الإيرانيين إلى «التواجد في الشوارع» ثلاث مرات متتالية، تأكيدًا على دعم القيادة الجديدة. ويرى متابعون أن الرسالة تهدف إلى إظهار أن النظام ما يزال متماسكًا بعد غياب قائده الأطول حكمًا.
لكن هذا الحضور «المنظم» ترافق مع قمعٍ متزايد لأي صوتٍ معارض. ففي مشهد ومناطق أخرى، يقول مواطنون إن من يجرؤ على التحدث ضد السلطات يُعتقل أو يُهدد. سهيل، من سكان مشهد، يعلّق بمرارة: «الخروج إلى الشارع متاح فقط لمن يهتف للنظام، أما البقية فمصيرهم الاعتقال أو الرصاص».
الخارجية الأميركية والإسرائيلية تواصل استهداف مواقع داخل طهران ومحيطها، وهو ما زاد المشهد اضطرابًا. ففي 13 مارس، أفادت تقارير عن قصفٍ طال نقطة تفتيش في جنوب العاصمة، ومحطتي شرطة قرب شارع الحرية. هذه الضربات، رغم دقتها المعلنة، خلّفت قلقًا واسعًا بين المدنيين الذين باتوا يخشون أن يكونوا ضحايا «النيران المتبادلة».
غزالة، وهي سيدة في الثامنة والأربعين من طهران، تقول إن المشهد كله يحمل مفارقة مؤلمة: «لو كانت الحواجز تحمينا فعلًا لرحّبنا بها، لكنهم يفتشون عن الحجاب والكحول أكثر مما يحمون الناس». وتضيف بغضب: «هؤلاء الذين مدحوا (دقة) الغارات الإسرائيلية والأميركية، لماذا لا يرون أن المدنيين يموتون أيضًا؟».
تتحدث غزالة عن شعور بالعجز يعمّ بين الإيرانيين العاديين: «نحن عالقون بين طرفين لا يهتمان بالبشر، أحدهما يقصف من السماء، والآخر يخنقنا في الأرض».
مع مرور أسبوعين على وفاة خامنئي، لم تنفجر موجات احتجاج كما توقّع البعض، لكن خطاب الخوف عاد أقوى من أي وقت مضى. فبين أصوات الانفجارات وصرخات الولاء الإجباري، يعيش كثير من الإيرانيين على إيقاع انتظار ثقيل: متى تنتهي حرب لا يملكون فيها إلا أن يكونوا ضحاياها؟
في ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو أن أمن المواطن الإيراني بات الحلقة الأضعف، فيما تتغذى آلة السلطة والحرب على الخوف ذاته. ومع اشتداد الصراع الخارجي، تتضاعف الحاجة إلى حماية المدنيين وضمان أن لا يتحول الوطن إلى سجنٍ مفتوح بين السماء والأرض.
قد يعجبك
تصعيد جديد بين طهران والمعارضة الكردية: غارات إيرانية تطال قواعد في أربيل وسط تحركات دفاعية أميركية
ثروة “المرشد”.. كيف كان يعيش خامنئي في ترف الـ 200 مليار دولار بينما يفتك الجوع بالإيرانيين؟
بين نيران القصف والإعدامات السرية.. صرخة عائلات المعتقلين السياسيين في إيران












