وطن-كشفت وثائق وتحقيقات تاريخية حديثة نشرتها صحيفة “هارتيس” الإسرائيلية عن واحدة من أكثر القصص حساسية في تاريخ البرنامج النووي الإسرائيلي: تمويل سري ضخم قدّمته ألمانيا الغربية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي للمساعدة في بناء المشروع النووي في مفاعل مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب.
وبحسب التقرير، حوّلت الحكومة الألمانية الغربية بين عامي 1961 و1973 مبالغ سنوية تراوحت بين 140 و160 مليون مارك ألماني إلى إسرائيل عبر آلية مالية سرية، ليصل إجمالي التمويل إلى نحو ملياري مارك، أي ما يعادل اليوم أكثر من خمسة مليارات يورو.
تمويل تحت اسم رمزي
اللافت أن هذه الأموال لم تُقدَّم في شكل مساعدات علنية أو برامج دعم اقتصادية معروفة، بل جرى تمريرها عبر ترتيب مالي شديد السرية حمل داخل الحكومة الألمانية اسمًا رمزيًا هو “عملية الصديق التجاري”.
ووفق ما كشفته الوثائق، كانت التحويلات تمر عبر بنك تنمية حكومي في فرانكفورت، وتُسجّل رسميًا باعتبارها معاملات مالية مرتبطة بدول نامية غير محددة، في خطوة هدفت إلى إخفاء الوجهة الحقيقية للأموال.
جذور القصة: نهاية الخمسينيات
تعود جذور هذا التعاون إلى أواخر الخمسينيات، عندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك دافيد بن غوريون يسعى إلى إنشاء ما وصفه بـ“مظلة ليوم ممطر”، في إشارة إلى ردع استراتيجي طويل المدى في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
في تلك الفترة كانت إسرائيل تشعر بقلق متزايد من النفوذ العربي المتصاعد بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ما دفعها إلى تسريع مشروعها النووي بالتعاون أولًا مع فرنسا لبناء مفاعل ديمونا.
لكن الكلفة الضخمة للمشروع دفعت القيادة الإسرائيلية إلى البحث عن شريك مالي إضافي قادر على توفير دعم طويل الأمد.
لقاء بون السري
في عام 1957، جرى لقاء سري في مدينة بون جمع بين شمعون بيريز، الذي كان حينها المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، ووزير الدفاع الألماني فرانز يوزف شتراوس.
ويُنظر إلى هذا الاجتماع، وفق التقرير، باعتباره إحدى اللحظات المبكرة التي مهّدت لتعاون عسكري ومالي واسع بين البلدين، تطوّر لاحقًا إلى قنوات تمويل غير معلنة ساعدت في تسريع المشروع النووي الإسرائيلي.
أموال عامة لبناء الردع النووي
إذا تأكدت هذه المعطيات بشكل كامل، فإنها تعني أن جزءًا كبيرًا من البرنامج النووي الإسرائيلي لم يُموَّل من الضرائب الإسرائيلية أو من التبرعات الخاصة كما كان يُعتقد، بل من أموال عامة ألمانية.
ويمثّل ذلك أحد أكثر الفصول غموضًا في تاريخ العلاقات بين إسرائيل وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، كما يسلّط الضوء على البعد الجيوسياسي المعقّد الذي أحاط ببناء الردع النووي الإسرائيلي خلال ذروة الحرب الباردة.
فصل غامض في التاريخ النووي
اليوم، وبعد عقود من السرية، تعيد هذه الوثائق فتح النقاش حول طبيعة الدعم الدولي الذي ساهم في قيام البرنامج النووي الإسرائيلي، وحول الدور الذي لعبته حسابات السياسة والذاكرة التاريخية في تشكيل تحالفات غير معلنة في الشرق الأوسط.
فما كان لسنوات طويلة مجرد تكهنات أو روايات غير مؤكدة، بدأ يتحول تدريجيًا إلى ملف تاريخي موثق يكشف كيف التقت المصالح الاستراتيجية مع الحسابات السياسية في واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ المنطقة.
قد يعجبك
إسرائيل تبلغ واشنطن بنفاد مخزونها من صواريخ الاعتراض الجوي وسط تصعيد الحرب مع إيران
نفس طويل في المواجهة.. كيف تستعد إيران لحرب استنزاف “شاملة” ضد إسرائيل وواشنطن؟












