وطن-في مشهد غير مسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث، أعلن جوزيف كينت، مدير «المركز الوطني لمكافحة الإرهاب»، استقالته من منصبه، موجهًا في بيان صريح اتهامات لإسرائيل بأنها كانت وراء تورّط الولايات المتحدة في الحرب على إيران. الخطوة، التي وُصفت بأنها أعلى استقالة من نوعها احتجاجًا على سياسة خارجية أمريكية، فتحت نقاشًا واسعًا في واشنطن حول حدود النفوذ الإسرائيلي في صنع القرار الأمريكي.
أزمة ضمير داخل الإدارة
كينت، وهو من كبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات الوطنية بقيادة تولسي غابارد، كتب في رسالة استقالته أنه «لا يستطيع أخلاقيًا دعم حرب فُرضت تحت ذرائع زائفة». وأضاف أن إيران لم تشكّل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة، وأن الحرب اندلعت بفعل «غرفة صدى مؤيدة لإسرائيل» دفعت الإدارة إلى المواجهة.
وأكد كينت أن هذه الدوائر – المكوّنة من شخصيات إسرائيلية نافذة وإعلاميين مؤيدين للحرب – عملت على «تضليل الرئيس دونالد ترامب» وتغذية فكرة أن الضربة على طهران يمكن أن تحقق «نصرًا سريعًا».
البيت الأبيض يردّ
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب علّق من المكتب البيضاوي على الاستقالة قائلًا إنه لا يعرف كينت جيدًا، لكنه «كان رجلاً لطيفًا وضعيفًا في قضايا الأمن». وأضاف: «عندما قرأت بيانه فهمتُ أن خروجه أمر جيّد، لأنه قال إن إيران لم تكن تهديدًا، بينما الجميع يعلم أنها كانت كذلك».
تصريحات ترامب عكست تمسكه بروايته حول ضرورة الحرب، مقابل موجة انتقادات داخلية اعتبرت الاستقالة «صرخة تحذير» من داخل المنظومة الأمنية نفسها.
من ساحات القتال إلى دهاليز الاستخبارات
ينحدر جوزيف كينت من خلفية عسكرية مرموقة؛ فقد خدم في وحدات الكوماندوز بالجيش الأمريكي وشارك في أحد عشر انتشارًا قتاليًا بعد هجمات 11 سبتمبر. وفي عام 2018 التحق بوكالة الاستخبارات المركزية كضابط شبه عسكري، قبل أن يتولى إدارة مركز مكافحة الإرهاب في فبراير 2025 بترشيح مباشر من ترامب، الذي أشاد آنذاك بـ«تاريخه في تعقّب الإرهابيين وحماية أمريكا من داخلها وخارجها».
مأساة شخصية ورؤية مغايرة
الجانب الإنساني في قصة كينت ألقى بظلاله على موقفه الحالي؛ إذ فقد زوجته، الضابطة في البحرية الأمريكية شانون كينت، في تفجير بمدينة منبج السورية عام 2019. الحادث دفعه، حسب قوله، إلى إعادة تقييم جدوى التدخلات العسكرية الأمريكية، خصوصًا تلك التي يرى أنها «نتيجة ضغوط إسرائيلية».
وكتب في رسالته: «بوصفي زوجًا فقد شريكة حياته في حرب صُنعت بقرار خاطئ، لا أستطيع أن أقبل بإرسال جيل جديد ليقاتل ويموت في صراع لا يخدم الشعب الأمريكي ولا يبرّر كلفته الإنسانية».
صدى واسع وتأييد من أنصار ترامب
على الرغم أمن ن كينت كان أحد أبرز الداعمين لترامب خلال مسيرته السياسية، فإن استقالته لاقت دعمًا من شخصيات محسوبة على «حركة ماغا» نفسها. فقد نشر شون راين، الجندي السابق في وحدة «نايفي سيلز» وأحد مؤيدي ترامب، تغريدة قال فيها: «أحيانًا يكون أقوى موقف يمكن اتخاذه هو الاستقالة الصريحة. أتمنى أن توقظ هذه الخطوة كثيرين من غفلتهم».
بعد إنساني وتحذير ضمني
تأتي استقالة كينت في وقت لا تزال واشنطن تواجه فيه تداعيات قراراتها الخارجية في الشرق الأوسط، بينما يحتدم الجدل حول حجم تأثير الحلفاء الإقليميين على السياسة الأمريكية. الرسالة التي بعث بها كينت، بما تحمله من نبرة اعتراف وشكوى، تلامس أبعادًا أعمق من مجرد خلاف سياسي؛ إنها تطرح سؤالًا حول كلفة الحروب على البشر، والحد الذي يمكن عنده لمسؤول أن يختار قول «كفى».
اقرأ المزيد
سيناتور أمريكي: ترامب أخطأ في قراءة المنطقة وإيران تفرض واقعاً جديداً
هل يستطيع ترامب إنهاء الحرب مع إيران؟ تحليل يكشف مأزق الحرب التي بدأها بنفسه
ديفيد هيرست: لماذا يُعد ترامب ونتنياهو الرجلين الأكثر خطورة على كوكب الأرض؟”












