وطن-في قلب المدينة القديمة من القدس، حيث اعتادت أصوات الباعة ومآذن المساجد أن تمتزج برائحة القهوة والبهارات، يخيم اليوم صمت ثقيل. المشهد في الجمعة الأخيرة من رمضان يشي بمدينة بلا نبض؛ شوارع خالية ومحال مغلقة، حتى أقدم المقاهي والمتاجر التي اعتادت استقبال الزوار توقفت عن العمل.
المكان الذي كان يعجّ بالحياة كل عام في هذا التوقيت، تحوّل إلى منطقة مغلقة بأمر من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في وقت يعتبره الفلسطينيون من أكثر الأيام روحانية وأهمية خلال الشهر الفضيل.
ذريعة الحرب ومشهد الإغلاق
قرار إغلاق المسجد الأقصى جاء متزامنًا مع تصاعد التوتر الإقليمي، بعد انضمام إسرائيل إلى الولايات المتحدة في الهجوم على إيران. في البداية طُبّق الإجراء في الحرم الإبراهيمي بالخليل، ثم امتد ليشمل المسجد الأقصى، ما اعتبره الفلسطينيون خطوة تتجاوز إجراءات أمنية مؤقتة نحو فرض واقع جديد على المدينة.
في حين تبرر السلطات الإسرائيلية هذا المنع بدواعٍ أمنية تتصل بالحرب، يرى سكان القدس أن الهدف الحقيقي هو إفراغ المكان من مصلّيه وإحكام السيطرة الكاملة عليه، في خطوة تذكّر بالإجراءات المشابهة التي فُرضت سابقًا على الحرم الإبراهيمي بعد مجزرة عام 1994.
ذاكرة مفتوحة على الخطر
يستحضر الفلسطينيون حادثة المجزرة التي نفّذها المستوطن الأمريكي باروخ غولدشتاين داخل الحرم الإبراهيمي خلال رمضان قبل أكثر من ثلاثة عقود، حين قُتل 29 مصلّياً وجُرح أكثر من مئة وعشرين آخرين. تلك الجريمة انتهت بتقسيم المكان قسرًا بين المسلمين واليهود، وهو ما يخشى المقدسيون تكراره في الأقصى اليوم.
تحذيرات الخبراء ومسؤولي الأوقاف تؤكد أن استمرار إغلاق المسجد في وقت تعود فيه الحياة الطبيعية إلى بقية أنحاء المدينة، ينذر بعواقب لا يمكن تجاهلها. فالمناخ المشحون وتزايد الغضب الشعبي قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التصعيد.
مدينة تحت الحصار
المشهد اليوم لا يقتصر على بوابات المسجد فقط؛ فأسوار المدينة القديمة تحوّلت إلى نقاط تفتيش مغلقة لا يُسمح بالعبور منها إلا لمن يملك عنوانًا داخل المنطقة. من جهة باب العمود، يراقب الجنود الهويات ويفتحون الممرات ويغلقونها متى شاؤوا، من دون إنذار أو تفسير.
حتى أصحاب المتاجر الذين حاولوا الصمود في وجه الإجراءات تعرّضوا للعقوبات. أحد الشبان، يقف أمام كشك العصير الذي يديره منذ سنوات، يروي كيف اضطر لدفع غرامة باهظة تجاوزت ستة آلاف شيكل لمجرد فتح بابه أيام الصيام. يقول بأسى: “المدينة مغلقة، ونحن بلا زبائن ولا رزق”.
المسجد بين الذاكرة والهوية
بالنسبة للفلسطينيين، لا يرتبط الأقصى بالعبادة فحسب، بل هو محور الذاكرة الوطنية والرمز الأعمق للوجود في فلسطين. امرأة من شمال الداخل الفلسطيني تقول إن الأقصى “يمثل القلب النابض للهوية الفلسطينية، وملاذ الثبات والصمود مهما تبدّلت الظروف”.
تلك المكانة الروحية تعبّر عن مدى خشية الفلسطينيين من فقدان أحد أهم رموزهم الجامعة. فالأقصى، بالنسبة لهم، ليس معلمًا دينيًا وحسب، بل هو صورة مستمرة من صور الانتماء إلى الأرض وحقوقها التاريخية.
الخاتمة: صمود في وجه الفراغ
رغم الحصار والإغلاق، ما زال الفلسطينيون يؤدّون صلواتهم في الشوارع والساحات المحيطة، وكأنهم يصرّون على إبقاء شعلة الحضور متقدة أمام بوابات مغلقة.
في مدينة اعتادت البقاء رغم كل محاولات العزل والتقسيم، يبدو أن القدس لا تصمت سوى لتختزن غضبها — غضب ينتظر لحظة تعيد للمدينة أصواتها، ولمآذنها صدى “الله أكبر” يعلو مجددًا فوق جدرانها القديمة.
اقرأ المزيد
مشروع قانون أمريكي يعترف بسيادة إسرائيل على المسجد الأقصى
بن غفير يقود اقتحامًا جديدًا للمسجد الأقصى وسط توتر أمني متصاعد
تقرير حقوقي يحذر: إسرائيل تسعى لـ “محو” الهوية الإسلامية في فلسطين وتدمير ممنهج للمساجد












