وطن-في وقتٍ يعيش فيه سوق الطاقة العالمي اضطرابًا متزايدًا بعد تعثّر حركة الصادرات عبر مضيق هرمز، طرحت تركيا مبادرة جديدة لإعادة رسم خريطة تصدير النفط العراقي. وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، كشف عن مقترح لمدّ أنبوب النفط الواصل بين كركوك وجيهان حتى ميناء البصرة في أقصى الجنوب، في مشروع يرى فيه خطوة يمكن أن تغيّر مسار تجارة النفط في المنطقة.
خط عمره نصف قرن… وتاريخ من الانقطاعات
يرتبط البلدان منذ عام 1976 بأنبوب يمتد 970 كيلومترًا، ينقل الخام من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء جيهان على المتوسط. إلا أن الأنبوب الرئيسي أُصيب بأضرار جسيمة منذ هجومٍ لتنظيم الدولة عام 2014، لتقتصر الصادرات بعدها على فرعٍ قادم من إقليم كردستان إلى الأراضي التركية.
ومن المقرر أن تستكمل بغداد خلال أيامٍ أعمال الصيانة النهائية للأنبوب، ضمن اتفاق جديد أبرمته مع حكومة الإقليم لاستئناف ضخ النفط عبر البنية التحتية الموجودة.
مقترح تركي لتوسيع الأفق
يرى بيرقدار أن تمديد الخط إلى البصرة سيمنح العراق منفذًا إضافيًا للأسواق العالمية، بعيدًا عن المخاطر التي يشهدها الخليج. وأوضح أن العراق يمكنه في المرحلة الأولى تصدير ما بين 170 و250 ألف برميل يوميًا عبر تركيا، مؤكدًا أن الأنبوب الحالي قادر على استيعاب ما يصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا.
وأضاف الوزير أن تركيا طالما حذّرت بغداد من خطورة الاعتماد الكلي على طريق هرمز، مشيرًا إلى أن الإغلاق الفعلي للمضيق بفعل التوترات الإيرانية أثبت الحاجة إلى مسار بديل.
رؤية عراقية ومصاعب سياسية
الخبير المستقل في الشأن العراقي، مهمت ألاجا، يرى أن التمديد المقترح ينسجم مع “مشروع طريق التنمية” الذي يربط البصرة بتركيا عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية وصولًا إلى أوروبا. لكنّه يلفت إلى أن تعقيدات المشهد السياسي في بغداد — حيث ما زالت القوى غير متوافقة على تشكيل حكومة جديدة — تجعل تنفيذ المشروع بطيئًا.
ويتوقع ألاجا أن أي توسعة للأنبوب ستحتاج إلى سنوات عدة واستثمارات بمليارات الدولارات، تبعًا للمسار اللوجستي والمنشآت الداعمة التي يتطلبها التشغيل الكامل.
نحو شراكات طاقة إقليمية أوسع
في موازاة الملف العراقي، يعمل بيرقدار على فتح مسار تعاون جديد مع الرياض. إذ أكد أن تركيا والسعودية تبحثان إنشاء خط ربط كهربائي يتيح نقل الطاقة من الخليج إلى أوروبا عبر الأراضي التركية. ويأتي المشروع ضمن رؤية أوسع تربط الشرق الأوسط بالقارة الأوروبية عبر منظومة حديثة من الكابلات والطرق والسكك.
مسؤول غربي مطّلع على المشروعات الإقليمية أوضح في تصريحات إعلامية أن السعودية تدرس تنفيذ شبكة كابلات كهربائية عالية الجهد تمرّ من اليونان إلى الخليج عبر الأراضي السورية، معتبرًا أن “دمشق تمثّل محورًا جوهريًا في مشروع الربط الإقليمي”.
ختام توعوي
تعيد التطورات الأخيرة التذكير بأهمية تنويع ممرات الطاقة في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع السياسة بالاقتصاد في منطقةٍ لطالما كانت شريانًا للعالم بأسره. فبينما تسعى تركيا لتثبيت موقعها كممرّ استراتيجي، يبقى على العراق أن يحسم قراره بشأن مستقبل أنابيبه — ليس فقط لتأمين صادراته، بل لصياغة دوره في معادلة الطاقة العالمية المقبلة.
قد يعجبك
تركيا تقترب من تحالف دفاعي استراتيجي مع السعودية وباكستان يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية
تركيا تدفع نحو أدوار جديدة.. وإسرائيل لا تملك الـ اللاءات












