وطن-مع تصاعد التحديات الأمنية في إفريقيا والساحل، تعود قضية الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش السياسي في واشنطن، ولكن بزوايا جديدة تتجاوز حدود الخلاف الإقليمي المعتاد. فالموضوع لم يعد مجرد نزاع سياسي بين أطراف محلية، بل تحوّل – في نظر دوائر أمريكية مؤثرة – إلى ملف أمني واستراتيجي متشابك مع معادلات النفوذ في الشرق الأوسط وإفريقيا.
خلال الأسابيع الأخيرة، قدّم عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي مشروع قانون يدعو الإدارة إلى دراسة تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية. المشروع، الذي وقّعه عشرة نواب، انضم إليه لاحقًا ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ هم تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت، ما يعكس انتقال النقاش من دائرة المداولات السياسية إلى المستوى التشريعي الفعلي. ويستند هؤلاء البرلمانيون إلى مخاوف من إمكانية تحوّل الجبهة إلى أداة إيرانية جديدة في غرب إفريقيا، شبيهة بتجربة الحوثيين في الشرق الأوسط، عبر تزويدها بتقنيات الطائرات المسيرة ودعم لوجستي محتمل.
يتزامن هذا الطرح الجديد مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتلوّح واشنطن بتحوّل ساحة الصحراء إلى امتداد جيوسياسي لهذا الصراع، خصوصًا في ظل تقارير تتحدث عن تحركات جزائرية وفرنسية متقاربة في المنطقة، وعن مساعٍ إيرانية للتغلغل في شمال إفريقيا والساحل بدعم من أطراف محلية، بالتوازي مع دور روسي وصيني متزايد في القارة.
في السنوات الأخيرة، تغيّرت الطريقة التي تنظر بها مراكز القرار الأمريكي إلى قضية الصحراء. فبعد أن كانت تُعرّف ضمن مسار دبلوماسي ترعاه الأمم المتحدة، تُدرج اليوم ضمن منظومة الأمن الإقليمي الممتدة من شمال إفريقيا إلى الساحل. هذا التحوّل يفسّر، بحسب مراقبين، تسارع المفاوضات غير الرسمية التي رعتها واشنطن مؤخرًا بين الأطراف المعنية، من أجل بحث تفاصيل تطبيق مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
ترى واشنطن في هذه المفاوضات أداةً استراتيجية لضمان الاستقرار وردع أي تهديد محتمل للأمن الإقليمي، في وقت تضغط فيه باتجاه تقليص المهام الميدانية لبعثة الأمم المتحدة (مينورسو) لتقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار، مع تعزيز الدور المغربي في المنطقة، وهو ما تكرّس في قرار مجلس الأمن رقم 2797.
ويأتي هذا الاهتمام الأمريكي ضمن قراءة أوسع لموازين القوى في القارة الإفريقية. فالتنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا لم يعد يقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد إلى السيطرة على الممرات الحيوية والموانئ الإستراتيجية. ومن هذا المنظور، تُولي واشنطن أهمية خاصة لميناء الداخلة الأطلسي الذي تعمل الرباط على تطويره كبوابة تجارية وجيوستراتيجية بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء.
تخشى الولايات المتحدة أن يسهم أي تمركز لمليشيات مسلحة قرب هذه النقاط الحساسة في تهديد أمن الملاحة شمال الأطلسي وغرب القارة. لذلك، فإن تصاعد النقاش حول تصنيف البوليساريو ليس مجرد خطوة رمزية في السجال البرلماني الأمريكي، بل يعكس تحوّلاً أعمق في أولويات واشنطن تجاه المنطقة.
ففي الوقت الذي تتابع فيه الإدارة الأمريكية تطورات الحرب بين إسرائيل وإيران، والصراع الروسي الأوكراني، وتراجع النفوذ الأوروبي في إفريقيا، يتضح أن مقاربة واشنطن الجديدة تقوم على ربط الأمن الإقليمي في شمال إفريقيا بالسياق الجيوسياسي العالمي. ومن هنا فإن دعم المغرب باعتباره شريكًا موثوقًا، والضغط على الجبهة المدعومة من الجزائر، يمثلان جزءًا من استراتيجية أوسع لضبط موازين القوى ومنع تمدّد النفوذ الإيراني والروسي في القارة.
وهكذا، فإن النقاش الأمريكي حول الصحراء المغربية لم يعد مسألة دبلوماسية تقليدية، بل أصبح جزءًا من معادلة دولية أكبر، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن البحري والطاقة والتحالفات المستقبلية في إفريقيا.
في المحصلة، يبدو أن واشنطن تعيد صياغة سياستها الإقليمية بمنظور يتعامل مع الصحراء كمنطقة مفصلية في أمن القارة، لا كساحة نزاع محلي. وهي مقاربة تُبرز قناعة جديدة بأن استقرار شمال إفريقيا والساحل هو شرط أساسي لحماية المصالح الأمريكية والعالمية في العقود القادمة.
قد يعجبك
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية
خطة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية 2026: تفاصيل الوثيقة الجديدة التي عرضها بوريطة في مدريد
جمود رغم الوساطة.. تفاصيل المباحثات الأمريكية المتعثرة بين المغرب وجبهة البوليساريو












