وطن-يشهد العالم اضطرابًا جديدًا في أسواق الطاقة بعد سلسلة من الهجمات استهدفت منشآت نفط وغاز في الشرق الأوسط، ما أعاد المخاوف من أزمة إمدادات عالمية وأثار موجة من التراجع الحاد في مؤشرات البورصات الدولية.
تصاعد التوتر يلهب الأسعار
مع تزايد الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل وامتدادها إلى مرافق إنتاجية في قطر والإمارات والبحرين، قفزت أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثلاث سنوات. فقد تجاوز سعر خام برنت الأوروبي 144 دولارًا للبرميل، فيما بلغ خام غرب تكساس الأميركي 114 دولارًا، بعد أن كان عند حدود 72 دولارًا قبل اندلاع الحرب في إيران. أما الغاز الطبيعي المسال فقد تخطى 68 يورو لكل ميغاواط/ساعة في السوق الهولندية، وهي الذروة الأعلى منذ عام 2022.
هذا الارتفاع المفاجئ ترافق مع توقف مؤقت للعمليات في حقول “حبشان” و”باب” في أبوظبي عقب سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض صواريخ، كما سجلت منشآت الغاز المسال في البحرين أضرارًا مادية محدودة. وفي قطر، أدّى استهداف منطقة رأس لفان إلى زيادة زعزعة السوق وإطلاق موجة جديدة من المضاربات.
انعكاسات جيوسياسية ومخاوف من شح الإمدادات
تزامن التصعيد الأخير مع إغلاق مضيق هرمز أمام حركة ناقلات الغاز المسال، وهو الممر المسؤول عن نقل نحو 20% من إمدادات العالم، ما أثار قلقًا بالغًا قبل موسم التخزين السنوي، خاصة أن مستويات المخزون الحالية تقلّ بنحو 15% عن متوسط الأعوام الخمسة الماضية.
وفي خضم هذه الأزمة، سعت واشنطن إلى تهدئة الأسواق، إذ لمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إمكانية مراجعة موقف إدارته من العقوبات على صادرات النفط الإيرانية. وقد أوضح عبر منشور على منصات التواصل أن بلاده “لم تكن على علم مسبق بالهجوم الإسرائيلي على حقل الغاز الإيراني”، مؤكّدًا أن إسرائيل لن تنفذ هجومًا جديدًا “ما لم تُقدِم طهران على مهاجمة دولة أخرى”.
وبعد أقل من يوم، أشار وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى احتمال رفع جزئي للعقوبات على نفط إيران البحري، في خطوة تهدف إلى كبح الأسعار دون حاجز المئة دولار للبرميل وتخفيف الضغط عن الأسواق المالية.
الأسواق في حالة ذعر
الموجة التصعيدية انعكست مباشرة على البورصات العالمية. ففي آسيا، أنهت مؤشرات نيكاي الياباني وشنغهاي وهونغ كونغ وكوسبي الكورية و”نيفتي 50″ الهندي جلسات الثامن عشر من مارس بخسائر تراوحت بين 1.3% و3.4%. طالت الخسائر أيضًا أوروبا، حيث تراجع مؤشر “يورو ستوكس 50” بنسبة 2.5%، وانخفض “داكس” الألماني بنحو 2.8%، فيما فقد “إيبيكس 35” الإسباني أكثر من 2.5%.
وفي الولايات المتحدة، افتتحت جلسات التداول بهبوطٍ بلغ 1.6% لمؤشر “داو جونز”، و1.4% لمؤشر “ناسداك”، في مؤشر على حالة التوتر الشديد التي تسود المستثمرين بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.
ضغوط تضخمية وتجميد لأسعار الفائدة
أدّت هذه التطورات إلى أرباك السياسات النقدية في أكبر الاقتصادات العالمية، إذ قرر بنك اليابان والاحتياطي الفدرالي الأميركي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير. وقال رئيس الفدرالي جيروم باول إن توقعات التضخم القصيرة الأجل “ارتفعت في الأسابيع الأخيرة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناجم عن اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط”.
وفي أوروبا، أبقى البنك المركزي الأوروبي بدوره على أسعار الفائدة، لكنه رفع توقعاته لمعدل التضخم السنوي إلى 2.6%، مع خفض طفيف لتقديراته لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 0.3%. قرار مشابه تبناه بنك إنجلترا بالإجماع، مفضلًا التريث في تعديل السياسة النقدية إلى حين اتضاح مسار الأزمة.
اقتصاد عالمي على حافة القلق
تبدو الاقتصادات الكبرى اليوم في موقف حرج أمام احتمال استمرار التصعيد وامتداده إلى خطوط الإمداد الحيوية. فكل تصعيد عسكري جديد يعني مزيدًا من الارتفاع في كلفة الطاقة، وهو ما يترجم مباشرة بزيادة تكاليف المعيشة وتراجع ثقة المستثمرين حول العالم.
وفيما لا تزال الدبلوماسية عاجزة عن احتواء التصعيد في منطقة الخليج، يحذّر خبراء من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو تعطل منشآت الإنتاج الرئيسية سيؤدي إلى موجة تضخم عالمية يصعب كبحها. وبينما تتابع الأسواق كل إشارة للتخفيف، تبقى الحقيقة أن أي اضطراب في قلب منطقة الطاقة العالمية كفيل بإعادة تشكيل ملامح الاقتصاد الدولي في الأشهر المقبلة.
قد يعجبك
أسعار الطاقة تقفز عالمياً وسط مخاوف التضخم.. إغلاق مضيق هرمز يوقف إنتاج النفط والغاز في قطر والعراق












