وطن-في مشهد انتخابي يفترض أن يجسّد قيم المساواة والديمقراطية، تشهد فرنسا خلال انتخاباتها البلدية الأخيرة موجة مقلقة من الاعتداءات العنصرية وحملات التشكيك في ولاء مرشحين من أصول مهاجرة أو مسلمة، ما يثير جدلًا واسعًا حول حدود التعددية في الحياة السياسية الفرنسية.
أجواء مشحونة بالكراهية
من باريس إلى مرسيليا، لم تسلم الحملات الانتخابية من التجاوزات العنصرية. المعلّم الجامعي السابق توفيق خيار، البالغ من العمر 43 عامًا، وجد نفسه مضطرًا إلى تكرار الشكوى لدى الشرطة بعدما مُزقت ملصقاته الانتخابية وشُوّهت بعبارات مهينة. خيار، ابن مدينة لوهافر الفرنسية من أصول جزائرية، يخوض الانتخابات عن حزب الخضر في بلدة كريملان-بيسيتر جنوب شرقي العاصمة. يقول بمرارة إن ما يتعرّض له “ليس مجرد تخريب، بل رفض صريح لأن يكون شخص من ذوي البشرة السمراء جزءًا من المشهد السياسي في فرنسا”.
“ما آلمني أكثر هو عبارة عد إلى بلدك، فأنا فرنسي المولد والنشأة، وفرنسا وطني”، قال المرشح مستنكرًا تفشي ما يعتبره تسامحًا اجتماعيًا مع الخطاب العنصري، مشيرًا إلى أنه واجه في السابق سخرية من مسؤول بلدي نعته بلقب السيد كباب.
النساء المسلمات في مرمى الاتهام
في مدينة ريهون شرقي فرنسا، وجدت المرشحة أورو كاتراميز نفسها في مواجهة حملات كراهية واسعة فقط لأنها ترتدي الحجاب. الرسائل التي تلقتها عبر الإنترنت وصلت إلى حدّ ربطها بهجمات إرهابية سابقة وبمنظمات إسلامية لا علاقة لها بها. وقد تقدّمت بشكوى رسمية بعد أن وُصفت بـ”المعادية للجمهورية”، رغم أن القوانين الفرنسية تسمح للمنتخبين بارتداء رموزهم الدينية طالما لا يؤدّون وظائف عمومية تنفيذية.
تقول كاتراميز إن الخطر الحقيقي اليوم هو “تطبيع الإسلاموفوبيا” في الخطاب العام، حيث يتحوّل النقاش حول المظاهر الدينية إلى اتهامات سياسية تمسّ المواطنة.
مدن أخرى… نفس المواجهة
في مرسيليا، تعرّضت المناضلة المخضرمة ضد التمييز، حنيفة تغولمينت، للإهانة خلال توزيع منشورات انتخابية بعدما نعتها أنصار اليمين المتطرف بعبارات عنصرية علنية. أما في شمال باريس، فيرى سمي ديباه، المرشح اليساري في مدينة غارج لي غونيس، أن المساواة التي ناضل من أجلها جيلاً كاملاً ما تزال بعيدة المنال. ديباه، المدرّس السابق للتاريخ، يقول إن الاتهامات التي لاحقته في انتخابات 2020 بوصفه “قريبًا من جماعة الإخوان” لم تكن سوى أداة لإقصائه من المشهد السياسي.
“في نظر بعض السياسيين، المسلم يبقى دائمًا غريبًا. إذا مارس قناعاته الدينية اتُّهم بالانعزالية، وإذا شارك في الانتخابات اعتُبر مخترقًا للنظام الديمقراطي”، يضيف بغضب.
تشريعات مثيرة للجدل
قانون “مكافحة الانعزالية” الذي أُقر عام 2021 كان منعطفًا حادًا في علاقة الدولة بالمجتمع المسلم البالغ عدده نحو 5.7 ملايين نسمة. فبينما بررت السلطات القانون بالرغبة في مواجهة “التطرف الديني”، انتقدته منظمات حقوقية بوصفه يقيد حرية المعتقد ويؤسس لمناخ من الشك تجاه المسلمين.
وتعزّزت هذه الشكوك مؤخرًا مع صدور تقرير برلماني يحذر مما يسميه “تسللاً إسلاميًا تدريجيًا” إلى الحياة السياسية، واستند في خلاصاته إلى جلسات استماع لعدد من المسؤولين، من بينهم وزير الداخلية لوران نونيز، الذي تحدث عن خطر “تسلل قائم فعلاً” داخل بعض القوائم الانتخابية. تصريحات قرأها حقوقيون على أنها تجريمٌ مسبق لمجموعة دينية بأكملها، وتقدمت رابطة حقوق الإنسان بشكوى ضد أحد نواب حزب التجمع الوطني بعد استخدامه عبارات تحريضية صريحة.
الإقصاء الإداري… وجه آخر من الأزمة
في مدن مثل نانتير وفينيسيو قرب باريس وليون، واجه “اتحاد الديمقراطيين المسلمين في فرنسا” عراقيل إدارية غير مسبوقة حالت دون قبول قوائمه الانتخابية. رئيس الحزب نجيب الزرقي أوضح أن بعض لجان المراجعة استدعت المرشحين للتحقق من هويتهم وشرعية ملفاتهم “وكأن وجودهم السياسي موضع شك”. وبرغم تقديم الأدلة، رفضت المحافظات اعتماد القوائم.
أما رئيس الحزب فريد عمير فاعتبر أن ما يحدث امتداد لعقلية استعمارية ما زالت تنظر إلى أبناء المستعمرات السابقة كـ”ضيوف مؤقتين” لا كمواطنين كاملي الحقوق. ويقول: “في الماضي كان الاستهداف للمهاجرين، واليوم أصبح للمسلمين. تغيّر المسمى لكن جوهر العنصرية واحد”.
العنف الميداني يرافق صناديق الاقتراع
التحريض لم يتوقف عند الكلمات. ففي ستراسبورغ، تعرضت المرشحة اليسارية جميلة حدّون لهجوم بسكين وتهديد بالقتل أمام أبنائها أثناء تعليقها ملصقات دعائية. وفي ليل، تتلقى المرشحة لهورية عدوّش سيلاً من الرسائل التي تتوعدها بالموت قبل جولة الحسم الثانية للانتخابات.
صورة مقلقة لمستقبل المشاركة
تُظهر هذه الوقائع أن المشاركة السياسية للمسلمين في فرنسا باتت محفوفة بالمخاطر، بين عنصرية تُمارس في الميدان وخطاب رسمي يزيد الشكوك تجاههم. يقول توفيق خيار متحسّرًا إنه امتنع عن حضور موائد إفطار رمضانية كي لا تُستغل صورته ذريعة لاتهامه بالتطرف، مضيفًا: “يكفي أن تحمل اسمًا ذا نغمة مغاربية حتى تُدرج في خانة المشتبه بهم”.
وسط هذا المناخ المشحون، يخشى المراقبون أن يتحول الجدل حول الهوية والانتماء إلى عقبة حقيقية أمام الديمقراطية المحلية في فرنسا، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى بناء جسور الثقة بدل جدران الخوف بين مواطنيها المختلفين.
خاتمة:
تجسد هذه الحوادث وجهًا مؤلمًا من المشهد السياسي الأوروبي الحديث؛ حيث يُختزل الانتماء الوطني في لون البشرة أو المعتقد الديني. وبينما تتعالى الأصوات المطالِبة بمساءلة خطاب الكراهية، يبقى التحدي الأكبر في قدرة المجتمع الفرنسي على صون مبادئه الجمهورية فعلاً لا شعارًا، وضمان أن تبقى صناديق الاقتراع ساحة تنافس لا ميدان إقصاء.
اقرأ المزيد
أمام مجلس العموم.. ستيف ريد يعلن توسيع نطاق تجريم العداء للمسلمين في المملكة المتحدة
تصريح صادم يهز واشنطن.. نائب أمريكي: “المسلمون لا ينتمون للولايات المتحدة”!












