وطن-منذ شهور طويلة وغزة تعيش مأساة تتعدّى القصف إلى معركة يومية مع المرض والموت البطيء. فبين جدران المستشفيات المرهقة، ينتظر آلاف الجرحى والمرضى تصريحًا بالعبور إلى الخارج لتلقي العلاج، لكن الانتظار غالبًا ما ينتهي بجنازة جديدة.
قيود خانقة وممر مغلق
تؤكد بيانات وزارة الصحة في غزة أنّ أكثر من 1,400 مريض فلسطيني فقدوا حياتهم منذ مايو/أيار 2024 أثناء انتظارهم نقلهم الطبي إلى خارج القطاع. وتشير التقديرات إلى أنّ ما بين ستة وعشرة أشخاص يموتون يوميًا نتيجة القيود الإسرائيلية المشددة التي تمنع السفر لتلقي العلاج العاجل.
زاهر الواحدي، مدير إدارة المعلومات في الوزارة، أوضح أنّ هناك ما لا يقلّ عن 195 حالة تصنَّف بأنها «خطرة جدًا»، مهددًا بأنّ التأخير لساعات إضافية قد يكون كافيًا لوفاتهم. كما أشار إلى نحو 1,971 حالة طارئة أخرى تحتاج إلى الإخلاء خلال أسابيع قبل أن تتدهور بشكل لا يمكن السيطرة عليه، بينهم أكثر من أربعة آلاف طفل وأربعة آلاف مصاب بالسرطان.
معاناة متواصلة عند معبر رفح
على مدى سنوات، كانت عمليات الإخلاء الطبي من غزة عقبة قاسية بسبب الحصار المفروض على القطاع. وتفاقمت الصعوبات مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة، خاصة بعدما سيطرت القوات الإسرائيلية على معبر رفح في مايو/أيار 2024، وهو المنفذ الوحيد الذي لا يمر عبر إسرائيل ويعدّ شريان الحياة لسكان القطاع.
ورغم المطالبات الدولية والأممية المتكررة بإعادة فتح المعبر، لم تُترجم الوعود على الأرض سوى بمحاولات محدودة. ففي مطلع فبراير/شباط 2026، أعيد تشغيله جزئيًا للمرة الأولى منذ قرابة عامين بعد تدميره، ضمن اتفاق مؤقت يسمح بدخول خمسين شخصًا يوميًا من مصر إلى غزة وخروج 150 شخصًا من القطاع.
لكن هذه الأرقام بقيت بعيدة عن تلبية الاحتياجات الطبية المتراكمة، حيث لم يغادر سوى 490 مريضًا طوال شهر فبراير، وهو رقم وصفه الواحدي بأنه «ضئيل لا يُذكر»، موضحًا أن المطلوب هو إجلاء 400 مريض يوميًا لتصفية قوائم الانتظار خلال نصف عام فقط.
الحرب تتجاوز الحدود
ازداد الوضع سوءًا مع تصاعد التوتر الإقليمي في أعقاب الحرب الإسرائيلية–الأمريكية ضد إيران، إذ أُغلق المعبر مجددًا في 28 فبراير ثم أعيد فتحه جزئيًا بعد أسابيع وفق إجراءات أكثر تشددًا؛ فلم يُسمح سوى بخروج 24 مريضًا مع مرافقيهم منذ 19 مارس الجاري.
ويصف مسؤولو الصحة رحلة المرضى بأنها «رحلة عذاب»، فالإجراءات المعقدة، والشروط الإسرائيلية القاسية، والتقلبات الأمنية جميعها تحوّل طريق الإنقاذ إلى اختبار قاسٍ للنجاة.
مأساة تتكرر بصمت
منذ السابع من مايو/أيار 2024 حتى اليوم، لقي أكثر من 1,400 مريض حتفهم من أصل نحو 20 ألفًا كانوا بانتظار الموافقة على مغادرة القطاع لتلقي العلاج. ورغم كل النداءات الإنسانية، ما زال معبر رفح مغلقًا في وجه آلاف الحالات الخطيرة التي يقاتل أصحابها الزمن في انتظار فرصة حياة قد لا تأتي.
في غزة، الموت لم يعد مرتبطًا بالقصف وحده، بل بات أيضًا نتيجة الانتظار عند بوابة مغلقة، حيث تتحوّل الإجراءات الإدارية إلى حكم بالإعدام البطيء على من يحتاج الدواء أكثر من الهواء.
قد يعجبك
نحن أصحاب القضية ولسنا أداة لأحد.. غزة ترد على رواية “التبعية لإيران”
شريان الحياة في خطر.. قيود الاحتلال تهدد بإغلاق ‘المطبخ المركزي العالمي’ في غزة!”
إفطار تحت الخيام وصلاة فوق الأنقاض.. كيف يحيي أهالي غزة رمضان 2026؟












