وطن-يعيش الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في ظل حرب طاقة آخذة في التمدد وتأثيراتها تمتد إلى الاقتصاد العالمي. التحليل الذي قدّمه الخبير الجيوسياسي غوستافو دي أريستغوي يستعرض ملامح هذا المشهد المعقد، حيث تتقاطع الحسابات الاستراتيجية مع الحسابات السياسية الداخلية في طهران وواشنطن وتل أبيب، لتشكل لوحة صراعية مفتوحة على احتمالات خطرة.
جوهر الأزمة: صراع استراتيجيات وتبدّل في التكتيك الإيراني
يرى أريستغوي أن طبيعة القرارات العسكرية من الجانبين رسمت ميدانًا شديد الاضطراب، إذ أحدثت تحولات طهران التكتيكية وردودُ فعل القوى الحليفة لها واقعًا يصعب احتواؤه. فبينما تؤكد واشنطن وتل أبيب أنهما ألحقتا أضرارًا جسيمة بإيران وأن الحرب تقترب من نهايتها، تصرّ الأخيرة على امتلاكها القدرة الصاروخية اللازمة لمواصلة الرد والتصعيد، خصوصًا في سياق ما يُعرف بـ«حرب الطاقة» التي باتت تؤثر مباشرة في اقتصادات الغرب.
ويشرح أريستغوي أن اعتماد إيران على استخدام الذخائر العنقودية غيّر قواعد الاشتباك، إذ تؤدي آثارها التدميرية إلى خسائر بالغة حتى عند اعتراض الصواريخ. وفي المقابل، أطلقت إسرائيل حملة صارمة لمنع تصوير المواقع المتضررة، تصل عقوبتها إلى السجن، في محاولة للحد من التأثير النفسي الداخلي ومنع أي استغلال إعلامي للدمار.
خطآن استراتيجيان يفاقمان الأزمة
يشير المحلل الإسباني إلى خطأين كبيرين في التخطيط العسكري الأميركي والإسرائيلي. الأول، توقيت الهجوم خلال شهر رمضان، وهو قرار اعتبره «خطيئة توجيهية»، لأن النشاط الاجتماعي والسياسي في العالم الإسلامي يتراجع في هذه الفترة، مما ألغى أي احتمال لانتفاضة داخلية ضد النظام الإيراني. أما الخطأ الثاني، فيكمن في غياب «خطة الخروج» من الصراع؛ فإسرائيل، بحسب التحليل، يمكنها وقف ضرباتها متى شاءت لأنها تخوض حربًا غير محددة النطاق، بينما تحتاج الإدارة الأميركية إلى إعلان نهاية الحرب قبل الصيف وبشكل مقنع للرأي العام الداخلي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات في نوفمبر.
حرب الطاقة وقلق الخليج
يتناول التحليل أيضًا تصاعد التوتر في قطاع الطاقة، إذ تشير مصادر من الكويت وقطر والسعودية وعُمان إلى قلق عميق بعد سنوات من محاولات التهدئة. وقد شكّل الهجوم الإسرائيلي على حقل «ساوث بارس» الغازي في جنوب إيران ــ المشترك مع قطر حيث يُعرف باسم «حقل الشمال» ــ نقطة تحول مقلقة، إذ جاء الرد الإيراني موجهاً ضد منشآت قطرية لا ضد إسرائيل، ما عدّه المراقبون مؤشرًا على فوضى في القرار الاستراتيجي بطهران.
تركّز السلطة داخل إيران: الحرس الثوري يمسك بالمفاتيح
في موازاة ذلك، يلفت أريستغوي إلى أن الحرس الثوري الإيراني رسّخ قبضته على مؤسسات الدولة، لدرجة أن الرئيس مسعود بزشكيان لا يملك سوى هامش محدود في صناعة القرار، رغم محاولته الظهور بخطاب معتدل. ويؤكد أن التيار المتشدد بات يوجّه السياسات العسكرية بشكل مباشر، ما يجعل احتمال التراجع أو التسوية أقل واقعية، لأن بقاؤه أصبح مرتبطًا باستمرار الصراع.
سيناريوهات مفتوحة واحتمالات محدودة للتهدئة
يرصد التحليل ثلاثة مسارات محتملة أمام الولايات المتحدة: الأول، إعلان انتصار رمزي في موعد محدد دون أن يعني ذلك سقوط النظام الإيراني الفعلي؛ والثاني، الإبقاء على حرب منخفضة الوتيرة حتى الصيف، ما قد ينهك إيران دون إنهائها؛ أما السيناريو الثالث، فهو إضعاف النظام بدرجة كبيرة على أمل أن تتولد ضغوط اقتصادية وشعبية تؤدي إلى تحوّل داخلي. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجيات جميعها تصطدم بواقع صلب تفرضه مراكز القوة الثورية في طهران.
الدور الإقليمي والبعد الإنساني
يبرز كذلك تأثير القوى العربية، وخصوصًا السعودية، في ديناميات الصراع، إذ نقلت تقارير عدة أن ولي العهد محمد بن سلمان مارس ضغوطًا على واشنطن خلال المراحل الأدق من الحرب. ويشير أريستغوي إلى أن التقديرات الغربية تعاني غالبًا من سوء فهم لطبيعة التفاعل المجتمعي في بلدان تحكمها اعتبارات دينية وسياسية متشابكة، لاسيما في فترات حساسة كرمضان.
الحرب بين طهران وخصومها لا تدور فقط في ساحات القتال، بل تمتد إلى أسواق الطاقة ودوائر القرار الاقتصادي والسياسي العالمية. ويذكّر التحليل بأن غياب الرؤية البعيدة المدى في مواجهة الأزمات الكبرى قد يحوّل الأخطاء الظرفية إلى كوارث استراتيجية تطال الجميع، وأن استقرار المنطقة يستلزم إعادة التفكير في أدوات الردع، لا في حجم السلاح المستخدم.
قد يعجبك
المواجهة الكبرى.. كيف أعادت الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران رسم خارطة الطاقة؟
إغلاق إيران لمضيق هرمز وتأثيره العالمي على أمن الطاقة وأسعار النفط
أسعار الطاقة تقفز عالمياً وسط مخاوف التضخم.. إغلاق مضيق هرمز يوقف إنتاج النفط والغاز في قطر والعراق











