وطن-في وقت تتصاعد فيه المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران وتثقل آثار الحرب على غزة كاهل الاقتصاد الإسرائيلي، صوّت الكنيست على قانون مثير للجدل يعيد رسم حدود العلاقة بين الدين والدولة، في لحظة سياسية واقتصادية بالغة الحساسية.
كشف التقرير السنوي لبنك إسرائيل عن عام 2025 عن مفارقة لافتة: اقتصاد أبدى قدرة على الصمود رغم الصراعات المستمرة، لكنه يرزح في الوقت ذاته تحت خسائر ضخمة. فمنذ أكتوبر 2023، تراجع الناتج المحلي الإسرائيلي بنسبة 8.6%، أي ما يقارب 175 مليار شيكل، ترتفع إلى 375 مليار شيكل عند احتساب النفقات الأمنية والمدفوعات الخارجية. ورغم أن العجز المالي انخفض إلى 4.7% من الناتج المحلي، فإن حجم الدين العام ارتفع إلى 68.5%، متجاوزًا المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويُرجع البنك هذا التدهور إلى النفقات العسكرية الباهظة التي ناهزت 350 مليار شيكل منذ اندلاع الحرب، في حين سجّل قطاع الصناعات العسكرية معدّل صادرات بلغ 10% من مجموع السلع والخدمات خلال خمس سنوات، بقيمة 14.8 مليار دولار.
أشار التقرير أشار كذلك إلى تراجع الدخل الفردي بما يقارب 35 ألف شيكل لكل مواطن منذ أكتوبر 2023، نتيجة تقلص المعروض العمالي واستدعاء الاحتياط العسكري ومنع دخول معظم العمال الفلسطينيين. كما تزامن ذلك مع موجة هجرة عكسية أفقدت سوق العمل نحو تسعة آلاف عامل سنويًا.
وفي ظل الحرب الإسرائيلية – الأميركية المشتركة ضد إيران، قدّرت وزارة المالية خسائر أسبوعية تصل إلى 1.25 مليار شيكل بسبب تعطّل المدارس وإغلاقها منذ إعلان حالة الطوارئ في 28 فبراير، ما اضطر عشرات الآلاف من الأسر إلى التفرغ لأطفالها. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وضع 170 ألف عامل في إجازات قسرية غير مدفوعة، في وقت يتوقع أن ترتفع الأرقام مع استمرار النزاع.
جدل حول فاعلية منظومة الدفاع الجوي
تجددت الانتقادات الداخلية بعد أن أصابت صواريخ إيرانية مدينتي ديمونا وعراد في الجنوب، وهما منطقتان تُعدّان أقل حظًا في الحماية مقارنة بالمراكز الاقتصادية الكبرى مثل تل أبيب.
أوضح تقرير صادر عن صحيفة اقتصادية إسرائيلية، أن نظام الدفاع الجوي الثلاثي الطبقات يعتمد على تقسيم البلاد إلى مناطق تُحدّد درجة حمايتها بحسب الكثافة السكانية وحساسية الموقع الاستراتيجية. ولفت التقرير إلى تفاوت واضح في مستوى التصدي بين المدن الكبرى والمدن الطرفية، كما أشار إلى أن الجيش يواجه تحديًا في إدارة مخزون الصواريخ الاعتراضية، خاصة مع توالي الهجمات التي تجاوز عددها 1200 صاروخ منذ أكتوبر 2023.
ورعلى غم استمرار قدرة الجيش على حماية الجبهة الداخلية، يحذر التقرير من أن استمرار الحرب سيقوّض أي إمكانية حقيقية لإعادة فتح الاقتصاد أو عودته إلى مساره الإنتاجي. ويخلص إلى أن إنهاء المواجهة مع إيران يبقى في يد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بينما “لن تتمكن إسرائيل من تحمّل كلفتها إلى ما لا نهاية”.
قانون يثير الانقسام داخل إسرائيل
وفي موازاة التصعيد الأمني، أقرّ الكنيست قانونًا مثيرًا للجدل يمنح المحاكم الدينية – اليهودية والإسلامية – صلاحيات للفصل في القضايا المدنية إذا اتفق الطرفان المعنيان على ذلك، وهو تطور يوسّع نطاق اختصاص هذه المحاكم بعد أن كانت مقتصرة على شؤون الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق.
استثنى القانون، الذي حظي بدعم حكومي مباشر، القضايا الجنائية والإدارية وكل قضية تكون فيها الدولة طرفًا، لكنه أثار موجة انتقادات واسعة.
حذّر معهد الديمقراطية الإسرائيلي حذّر من أن التشريع الجديد “يمسّ بمبدأ المساواة وباستقلال النظام القضائي وحقوق النساء”، معتبرًا أن “ما ينتج عنه لا مثيل له في أي دولة ديمقراطية”.
رأت المستشارة القانونية في المعهد، عنات ثون أشكنازي، رأت أن ما تم تمريره “يعكس توجّهًا لتغيير جوهر النظام القانوني القائم في إسرائيل”.
من جهته، وصف زعيم المعارضة يائير لبيد القانون بأنه إعلان صريح “لنهاية الوضع القائم بين الدين والدولة”، قائلاً إن “منح الحاخامات سلطة القضاء المدني يعني السير نحو دولة تحكمها الشريعة اليهودية (الهالاخاه)”.
صورة أوسع: دولة تحت ضغط الحرب والانقسام
هكذا تبدو إسرائيل اليوم على مفترق طرق غير مسبوق؛ مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، أزمة اقتصادية متفاقمة، وانقسام داخلي يتعمق حول طبيعة النظام ذاته.
ومع تصاعد التوتر وتزايد كلفة الحرب، يترسخ شعور عام بأن التحدي الذي تواجهه إسرائيل لا يقتصر على معاركها الخارجية، بل يمتد إلى سؤال جوهري حول شكل الدولة وهويتها في المستقبل القريب.
اقرأ المزيد
لغز “المعدن الأصفر”: لماذا يهوي الذهب رغم قرع طبول الحرب في الشرق الأوسط؟
طبول الحرب ترفع أسعار النفط.. والأسواق العالمية تترقب تداعيات القصف المتبادل في الشرق الأوسط
إسرائيل تبلغ واشنطن بنفاد مخزونها من صواريخ الاعتراض الجوي وسط تصعيد الحرب مع إيران












