وطن-مع تصاعد الأحداث في المنطقة ودخول الحرب على إيران مرحلة أكثر خطورة، تشهد العواصم الإسلامية الكبرى إعادة تموضع واضحة في مواقفها السياسية والعسكرية. فبينما كانت السعودية وتركيا وباكستان تخوض قبل اندلاع الصراع محادثات لتأسيس اتفاق أمني ثلاثي، جاءت التطورات الأخيرة لتقلب أولويات تلك الدول وتعيد ترتيب حساباتها تجاه طهران.
في اجتماع لوزراء خارجية الدول العربية والإسلامية عُقد في الرياض، برز خلاف لافت حول الصيغة الدبلوماسية الموجهة ضد إيران. فبحسب مصادر مطّلعة، حاولت السعودية الدفع نحو بيان حازم يدين «بأشد العبارات» الهجمات التي شنتها طهران بالصواريخ والطائرات المسيّرة، رداً على العمليات الأميركية الإسرائيلية ضدها. لكن تركيا وباكستان أبدتا تحفظاً على اللهجة، مفضلتين تعبيرات أكثر اتزاناً، قبل أن يتبدّل موقف أنقرة لاحقاً بعد سقوط الصواريخ قرب العاصمة السعودية أثناء وجود وفود أجنبية رفيعة في المدينة.
عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي أجرى اتصالاً مع نظيره الإيراني عباس عراقجي أثناء الهجوم، عن استيائه من استمرار الضربات بينما كانت الجهود الدبلوماسية جارية في الرياض للبحث عن مخرج للأزمة. هذا الموقف عكس رغبة تركيا في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، رغم إدراكها لحساسية المرحلة.
أدان البيان الختامي الصادر عن الاجتماع الهجمات الإيرانية واعتبرها «غير مبررة تحت أي ذريعة»، مطالباً طهران بوقف عملياتها فوراً واحترام القانون الدولي ومبدأ حسن الجوار. إلا أنّ البيان أغفل الدعوة بالمثل للولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف هجماتهما على إيران، وهو ما فسّره مراقبون بأنه انحياز نسبي في الخطاب الدبلوماسي.
في المقابل، ضمّن الوفد التركي فقرة في المسودة النهائية تنتقد «عدوان إسرائيل على لبنان وسياساتها التوسعية في المنطقة»، ما أضفى توازناً نسبياً على الموقف العربي الإسلامي.
عقب صدور البيان، عُقد اجتماع مصغّر جمع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان ومصر، خُصّص لبحث مستقبل التعاون الأمني المشترك. لكن استمرار الحرب جعل الرياض تعيد تمتين علاقتها الدفاعية مع حليفتها التقليدية، الولايات المتحدة، رغم التململ من تذبذب الالتزامات الأميركية. وأفادت تقارير بأن واشنطن حصلت على إذن باستخدام قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف ضمن ترتيباتها العسكرية.
ترى السعودية، التي كانت قد أبرمت في العام السابق اتفاق دفاع مشترك مع باكستان، في هذه الخطوة وسيلة لتوسيع شراكاتها العسكرية بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن، بينما بدأت تركيا محادثات منفصلة للانضمام إلى هذا الإطار الدفاعي قبل أن تعيق الحرب تقدّم تلك النقاشات.
بات الاختلاف في المواقف واضحاً: فالسعودية، رغم رفضها العلني للهجوم الأميركي على إيران، تخشى من محاولات طهران فرض نفوذها على مضيق هرمز وتهديد منشآتها النفطية، ما يجعلها أكثر ميلاً إلى التنسيق العسكري مع القوى الغربية. أما تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، فلا ترى في هرمز محوراً أساسياً في أمنها القومي، وتفضل البقاء في موقع الوسيط. أما باكستان، التي تشارك إيران حدوداً برية طويلة وتضم ثاني أكبر عدد من المسلمين الشيعة في العالم، فتحرص على خطاب متوازن، وتسعى للعب دور «الجسر» بين واشنطن وطهران.
بعض الأصوات في الداخل السعودي أشارت إلى أنّ الاتفاق الدفاعي مع باكستان يمنح المملكة «مظلة نووية» محتملة، وهو توصيف دفع إسلام آباد إلى توضيح مقاصده مع الرياض لتجنّب أي سوء فهم. ورغم الضغوط الأميركية على الطرفين للمشاركة في العمليات ضد إيران، تفضّل باكستان التركيز على الوساطة. فقد كتب رئيس الوزراء شهباز شريف منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي أكد فيه استعداد بلاده لاستضافة مفاوضات مباشرة «تحقيقاً لتسوية شاملة للنزاع القائم»، وهو موقف لاقى ترحيباً أميركياً غير معلن، ظهر لاحقاً في إعادة نشر الرسالة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
يعيد المشهد الراهن التأكيد على أن الحرب على إيران لم تزلزل فقط الاستقرار الإقليمي، بل بدّلت أولويات القوى الإسلامية الكبرى، بين من يرى في الأمن القومي خطاً أحمر لا يحتمل التراخي، ومن يسعى للوساطة تفادياً لانفجار أشمل. وفي قلب ذلك كله، تستمر الرياض في موازنة دقيقة بين تحالفاتها القديمة وطموحاتها الاستراتيجية الجديدة، في وقت تبدو فيه المنطقة بأكملها على مفترق حساس بين التصعيد والدبلوماسية.
قد يعجبك
تحالف “الغموض الاستراتيجي”.. هل تتدخل باكستان عسكرياً لحماية السعودية من التهديدات الإيرانية؟
الرياض خلف الستار: هل دفعت السعودية واشنطن نحو الحرب على إيران؟












