وطن-في وقت تتسارع فيه الوساطات الإقليمية والدولية لإخماد نيران الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أعلنت طهران عبر إعلامها الرسمي رفضها القاطع لمقترح أمريكي جديد لوقف القتال، مؤكدة أن السلام لن يتحقق إلا وفق شروطها الخاصة.
سياق متوتر ومفاوضات متعثّرة
تزامن الرد الإيراني مع استمرار المعارك على أكثر من محور، فيما كانت واشنطن قد قدّمت، بواسطة إسلام آباد، خطة من 15 بندًا لإنهاء المواجهة التي اندلعت منتصف عام 2025. غير أن المسؤولين الإيرانيين اعتبروا أن المقترح “لا يعكس واقع الميدان”، وأن الولايات المتحدة “فاقدة للمصداقية بعد هجمتين نفذتهما ضد إيران خلال فترات التفاوض السابقة”.
وفي حديث لقناة “برس تي في” الإيرانية، قال أحد المسؤولين – من دون ذكر اسمه – إن بلاده “لن تنهي الحرب إلا حينما تقرر هي ذلك، لا عندما يتخيل ترامب أن موعدها قد حلّ”. وأضاف أن أي اتفاق سلام محتمل “يجب أن يُبنى على ضمانات حقيقية لوقف الأعمال العدائية”.
شروط إيران لإنهاء الحرب
وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية في طهران، فقد وضعت الجمهورية الإسلامية خمسة شروط رئيسية لأي تسوية محتملة، من أبرزها وقف كامل “للعدوان وعمليات الاغتيال” التي تقوم بها كلٌّ من واشنطن وتل أبيب، مع إنشاء آليات واضحة تمنع استئناف الهجمات.
كما تطالب إيران بتعويضات عن الخسائر الناجمة عن الحرب، وبالاعتراف بحقها “الطبيعي والقانوني” في الإشراف على النشاط الملاحي في مضيق هرمز، وهو الممر البحري الحيوي الذي يعبره نحو 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية.
وتصرّ طهران أيضًا على أن يشمل أي اتفاق للسلام الجماعات المسلحة المتحالفة معها في المنطقة، في إشارة إلى وقف الهجوم الإسرائيلي على لبنان حيث تقاتل قوات حزب الله.
الموقف العسكري الإيراني
وصفت القيادة العسكرية الإيرانية، المبادرة الأمريكية بأنها “بعيدة كل البعد عن تطورات الميدان”، وأكدت في بيان مصوّر أن “الهزيمة لا يمكن أن تسمّى اتفاقًا”، مشيرة إلى أن “زمن الوعود الأمريكية قد انتهى”.
وساطات إقليمية وحسابات معقّدة
تحاول كل من تركيا وباكستان ومصر تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أن محللين يرون أن طهران تتعامل بحذر مع أي تحركات دبلوماسية بسبب التجارب السابقة. فإيران تتهم واشنطن بإجراء مفاوضات شكلية انتهت بهجمات عسكرية، ما يعزز الشكوك لديها حول نوايا الإدارة الأمريكية.
وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده “حققت النصر وغيّرت النظام”، مشيرًا إلى اغتيال مسؤولين كبار في الحكومة الإيرانية وتنفيذ ضربات دقيقة، يرى خبراء أن ميزان القوة الميداني يميل لصالح طهران، التي تمكنت من فرض سيطرتها على مضيق هرمز وتعزيز نفوذ قادة متشددين في دوائرها العسكرية والسياسية.
موازين حرب تتبدّل
مدير جهاز الاستخبارات البريطاني السابق السير أليكس يونغر قال في مقابلة صحفية إن الولايات المتحدة “أساءت تقدير الصراع، وفقدت زمام المبادرة منذ أسبوعين على الأقل”، مؤكدًا أن إيران “تمسك الآن بزمام الميدان”.
في المقابل، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية تفاصيل الخطة الأمريكية التي عرضت رفع العقوبات بالكامل مقابل تفكيك البرنامج النووي الإيراني، مع فرض قيود مستقبلية على الصواريخ ووقف دعم طهران لشبكة حلفائها العسكريين في المنطقة.
إلا أن التطورات الميدانية لم تعكس أي مؤشرات على تهدئة؛ فالهجمات الجوية والصاروخية تواصلت على جبهات متفرقة، وطالت منشآت في إسرائيل ودول خليجية بينها البحرين والكويت والسعودية والأردن، في حين كثّفت واشنطن وتل أبيب غاراتهما على الأراضي الإيرانية.
وفي تطور جديد، استهدفت إيران مجموعة حاملات طائرات أمريكية في الخليج بصواريخ مجنّحة، مؤكدة أن الضربة “أجبرتها على تغيير موقعها”، محذّرة من “رد أقوى” في حال اقتراب الأسطول المعادي من سواحلها. وفي المقابل، أعلنت إسرائيل تنفيذ ضربات على مواقع في طهران ومجمع لتطوير الغواصات بمدينة أصفهان.
في ظل هذا المشهد المضطرب، يبدو أن طريق السلام لا يزال بعيد المنال، بينما تتشبث طهران بمطالبها كشرط لأي تسوية دائمة. وبينما تواصل القوى الإقليمية جهود الوساطة، يبقى مستقبل المنطقة رهينًا بمدى قدرة الأطراف على كسر دائرة التصعيد، والانتقال من منطق القوة إلى منطق الضمانات الفعلية والأمن المتبادل، قبل أن يتوسع لهيب الحرب ليطال ما هو أبعد من حدودها الحالية.
قد يعجبك
فرصة أخيرة أم ترتيب أوراق؟ ترامب يعلق ضربات الطاقة في إيران مؤقتاً
خبير إيراني يُحذر: طهران مستعدة للسيطرة على البحرين وسواحل الإمارات في حال ارتكبت واشنطن “أي خطأ”
بين التهويل والواقع.. هل يضع صاروخ “خرمشهر” العواصم الأوروبية في مرمى النيران الإيرانية؟












