وطن-في مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة، يعيش الفلسطينيون هذه الأيام تحت تهديد دائم لا يرونه قادماً. فالصواريخ الاعتراضية التي تطلقها منظومات الدفاع الإسرائيلية لحماية المستوطنات والمدن القريبة من صواريخ الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، تخلف فوق رؤوس الفلسطينيين موتًا صامتًا على هيئة شظايا معدنية قاتلة.
مأساة تسبق العيد
في بلدة بيت عوا غرب الخليل، تحولت ليلة ما قبل عيد الفطر، في التاسع عشر من مارس/آذار 2026، إلى فاجعة. فقد اخترقت شظايا صاروخية صالون تجميل تملكه هديل المسالمة (23 عامًا) مع قريبتها سهيرة المسالمة، لتقتل سهيرة وثلاث نساء أخريات، اثنتان منهن كانتا حاملين. هديل نجت بأعجوبة لكنها أصيبت بجروح تحتاج إلى جراحة إضافية لإزالة شظايا استقرت قرب أحد أعصاب ساقها، وفق ما أفاد والدها وليد المسالمة.
ذلك الحدث غيّر حياة الشابة بالكامل، إذ لازمت غرفتها بعد خروجها من المستشفى، في صمت ثقيل لا يقطعه سوى أصوات الانفجارات البعيدة. يقول والدها بأسى إنّها باتت “شخصاً آخر”، بعدما فقدت قريباتها وصديقاتها في ثوانٍ.
الخوف يعمّ الضفة الغربية
قصة هديل ليست سوى وجه من وجوه معاناة يعيشها السكان في مختلف أنحاء الضفة، حيث تتساقط بقايا الصواريخ بشكل شبه يومي. ووفق إحصاءات الشرطة الفلسطينية، سُجل حتى 21 مارس/آذار ما لا يقل عن 198 حادثة لسقوط شظايا منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير/شباط، أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة تسعة آخرين، بالإضافة إلى عشرات الأضرار المادية في البيوت والمحال.
في مدينة رام الله، تساقطت شظايا جديدة في حادثة أخرى بعد أيام من مأساة بيت عوا، مسببة أضرارًا دون إصابات. أما في بيت عوا نفسها، فما زال الخوف يخيّم على السكان، بحسب ما يروي والد هديل الذي نجا هو الآخر بأعجوبة بعد سقوط قطع معدنية قربه. يقول الرجل “نشعر أن لا مكان آمن. لا إنذارات، لا ملاجئ، ولا خطط سلامة عامة”.
غياب الحماية الرسمية
بدورها، دعت أجهزة الدفاع المدني الفلسطيني السكان إلى تجنّب التنقل والتجمعات الكبيرة، ومراقبة أي أجسام غريبة قد تسقط من السماء، فيما اتخذت المدارس والجامعات قرارًا بالتعليم عن بُعد منذ بداية الحرب. لكن هذه الإجراءات، كما يرى كثيرون، لا تكفي.
شادي مقبل من قرية دير سودان شمال رام الله، شاهد منزله يُخترق بشظية في الرابع من مارس/آذار، فأتت النار على أثاث الطابق الأرضي وأُصيب والداه بحروق واختناق. يقول إنّ أحداً من الجهات الرسمية لم يزره لتفقد الأضرار أو تحليل بقايا المقذوف. “أصلحت بعض ما تهدم بكلفة تجاوزت 40 ألف شيكل، ولا أستطيع متابعة الترميم. لا أحد يهتم، وإن قُتلنا المرة القادمة فلن يكترث أحد”.
نظام مزدوج للحماية
في الجهة المقابلة، يسمع الفلسطينيون في الضفة أصوات صفارات الإنذار تدوي في المستوطنات القريبة من أراضيهم، بينما تنطلق صواريخ القبة الحديدية لاعتراض الهجمات الإيرانية المتجهة نحوها. لكن المدن الفلسطينية المجاورة لا تملك أيّ إمكانات مشابهة، فلا صفارات تنذر القادم، ولا ملاجئ تحمي السكان من شظايا الاعتراضات التي كثيرًا ما تسقط فوق رؤوسهم.
يصف خبير شؤون الاستيطان جمال جمعة هذا الواقع بأنه وجه من وجوه “النظام العنصري القائم”، موضحاً أنّ إسرائيل تتعامل مع حياة الفلسطينيين باعتبارها خارج الحسابات الأمنية. ويشير إلى أنّ الرواية الإسرائيلية حاولت تحميل إيران مسؤولية مقتل النساء الأربع في بيت عوا، رغم أن التحقيقات أثبتت أن الشظايا تعود لصواريخ اعتراض إسرائيلية.
ويقدّر عدد المستوطنين في الضفة والقدس الشرقية بنحو 700 ألف، يعيشون إلى جوار أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني، في معادلة يقول جمعة إنّها تُظهر خللًا أخلاقيًا واضحًا: “الاحتلال مطالب قانونًا بحماية المدنيين، لكنه لا يفعل شيئًا، يترك الناس لمصيرهم”.
صعوبات النجاة
القيود العسكرية الإسرائيلية تزيد من خطورة الوضع. فحتى في حالات الطوارئ، يُعيق أكثر من ألف حاجز وبوابة حديدية حركة سيارات الإسعاف والدفاع المدني، ما يطيل زمن الاستجابة عند سقوط الشظايا.
وتقول داليا النمري، أمّ فلسطينية تعيش في مدينة روابي شمال رام الله، إن الحياة اليومية أصبحت “حالة حرب” لا يُعد لها أحد. تضيف: “أخاف كل مرة أخرج فيها بالسيارة. لا يوجد أي نظام حماية أو حتى تعليمات رسمية. حتى المدارس، أرفض عودة بناتي إليها لأن الطريق مليئة بالحواجز والمجهول”.
صراع يومي من أجل النجاة
بين فقدان الأهل وغياب الأمان، لم تعد الحرب بعيدة عن الفلسطينيين رغم أنها تُدار في سماء أخرى. فالشظايا التي تمطر بيوتهم تذكّرهم كل يوم أن الحياة تحت الاحتلال لا تعرف معنى الحماية المدنية.
وفي ظل الصمت الدولي واستمرار الغارات، يبقى الأمل الوحيد لسكان الضفة أن لا يكونوا الضحية التالية لسقوط قطعة معدنية أخرى من حرب لم يختاروها.
قد يعجبك
جسد نحيل وندوب حارقة.. رضيع من غزة يخرج من الاحتجاز الإسرائيلي بآثار تعذيب
الموت الصامت في غزة: كيف تقتل القيود الإسرائيلية المرضى بعيداً عن القصف؟
شريان الحياة في خطر.. قيود الاحتلال تهدد بإغلاق ‘المطبخ المركزي العالمي’ في غزة!”












