وطن-في السنوات الأخيرة، لم تعد علاقة إيران بالعالم تُختزل في برنامجها النووي فقط، بل باتت تُفهم ضمن مشروع أوسع يسعى لترسيخ نفوذ سياسي وعقائدي وعسكري يمتدّ من الخليج إلى البحر المتوسط، مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان واليمن. هذا الامتداد جعل من التعامل مع طهران معضلة دولية تتجاوز حدود الاتفاقات النووية إلى صراع أعمق على النفوذ الإقليمي.
من دبلوماسية التوازن إلى سياسة الصدمة
وسط عالمٍ تُدار أزماته بلغة دبلوماسية حذرة تحجب أكثر مما تُظهر، برز دونالد ترامب كاستثناء صارخ في السياسة الأمريكية. لم يأتِ ليُجمّل الواقع، بل ليصطدم به مباشرة، معتمدًا نهج القوة والردع بدل التسويات الطويلة. وقد تجسّد ذلك جليًا في مقاربته للملف الإيراني، الذي ظلّ لعقود رمزًا لعجز المجتمع الدولي عن إيجاد حلّ حقيقي.
رأى ترامب أن التعامل التقليدي مع طهران لا يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة، فاختار خيارًا مغايرًا: الضغط بلا هوادة أو إعادة صياغة قواعد اللعبة بالكامل. ومن هذا المنطلق أعلن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الموقّع في عهد باراك أوباما، خطوة لم تكن نزوة سياسية بقدر ما كانت إعلانًا بأن واشنطن لم تعد مستعدة لمنح إيران الوقت والمجال لتعزيز قوتها تحت غطاء تفاهمات دولية.
«الضغط الأقصى»… فلسفة توازن بالقوة
لم يكن سوى انسحاب واشنطن البداية لما عُرف لاحقًا بسياسة “الضغط الأقصى”، التي تجاوزت العقوبات الاقتصادية لتستهدف شلّ الموارد الإيرانية وتقليص هامش حركتها الإقليمية. هذه السياسة تركت أثرًا مباشرًا على الاقتصاد الإيراني وأجبرت النظام على التفاعل بحذر، لكنها في الوقت نفسه وجّهت رسالة واضحة: مرحلة التساهل انتهت، وأي مشروع توسعي ستكون كلفته باهظة.
بالنسبة لعدد من دول الخليج، كانت تلك المرحلة لحظة نادرة من الوضوح الاستراتيجي، بعد أعوام من القلق من سياسات غربية مترددة. إلا أن المفارقة لم تكن في ردّ الفعل الإيراني، بل في مواقف الحلفاء الغربيين، خصوصًا الأوروبيين، الذين وجدوا أنفسهم بين الحفاظ على الاتفاق النووي كمنجز دبلوماسي وبين إدراكهم المتزايد لخطورة السلوك الإيراني في المنطقة.
أوروبا المتمسكة باتفاق يتآكل
تمسك الأوروبيون بالاتفاق كإطار نظري، رغم أن مضمونه الفعلي كان يتآكل مع كل توتر جديد، مما كشف فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. وبينما كانت أوروبا تدافع عن “الفكرة”، كانت واشنطن تعمل على إعادة ضبط معادلة الردع، في مواجهة انتقادات داخلية عنيفة من خصوم ترامب الديمقراطيين الذين رأوا في نهجه مغامرة قد تشعل حربًا شاملة.
إلا أن مؤيدي الرئيس السابق دافعوا عن رؤيته مؤكدين أن التراخي في الماضي هو ما مكّن إيران من توسيع نفوذها، وأن المواجهة الصارمة–مهما بدت محفوفة بالمخاطر–كانت ضرورية لإعادة التوازن.
تحالفات جديدة تخرج إلى العلن
من النتائج الأبرز لتلك المرحلة التقارب غير المسبوق بين إسرائيل وعدد من دول الخليج، إذ التقت مصالح الطرفين على هاجسٍ مشترك: احتواء التمدد الإيراني. هذا التلاقي، وإن لم يُعلن بشكل مباشر في البداية، أسهم في إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية، وفتح الباب أمام تفاهمات كانت تُعتبر مستحيلة لعقود.
لكن هذا التحول لم يخلُ من أخطار التصعيد؛ فالتوترات المتلاحقة كادت أكثر من مرة أن تتطور إلى مواجهة مفتوحة، ما جعل خصوم ترامب يؤكدون أن طريق الردع الذي سلكه ينطوي على مجازفة قد تخرج عن السيطرة. أما أنصاره فاعتبروا أن المخاطرة بحد ذاتها عنصرٌ في معادلة الردع، وأن غياب الحسم كان سيؤدي لاحقًا إلى نتائج أشدّ خطورة.
ما بعد ترامب… إرث مرحلة فارقة
ومع انتهاء ولايته، بقيت انعكاسات تلك السياسات حاضرة في المشهد الإقليمي والدولي؛ إذ لم يعد النقاش يقتصر على البرنامج النووي، بل اتسع ليشمل الدور الإيراني في المنطقة وحدوده. كما أظهر انقسامًا عميقًا في بنية النظام الدولي بين حلفاء يفترض أنهم يتشاركون المصالح، لكنهم يختلفون في قراءة التحديات وطريقة التعامل معها.
في المحصلة، أجبر ترامب الجميع على إعادة التفكير في مسلّمات كانت راسخة، وأعاد التذكير بأن القوة ما زالت عاملًا حاسمًا في العلاقات بين الدول، وأن التردد قد يكون أثقل كلفة من المجازفة. وهكذا، ستبقى حقبته مثالًا على نمط قيادة اختار الفعل بدل الانتظار، وصاغ جدلًا لم ينتهِ بعد حول كيفية التعامل مع إيران ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط.
اقرأ المزيد
واشنطن تؤكد تدمير ثلث صواريخ إيران فقط.. ومسؤولون يفندون تصريحات ترامب
واشنطن تخطط لـ “ضربة قاضية” ضد إيران.. وترامب يضع طهران أمام خيارين: “الاتفاق أو الانهيار”
لعبة الظل.. هل يقود “مجتبى خامنئي” وترامب مفاوضات سرية لإنهاء الحرب؟












