وطن-في الأجواء المشحونة التي يعيشها البحرين منذ اندلاع الحرب على إيران، تحولت وفاة الشاب محمد الموسوي إلى حدث كشف هشاشة شعور الأمان لدى كثير من المواطنين، وأعاد إلى الواجهة جدلاً قديماً حول معاملة الموقوفين وحرية التعبير في البلاد.
في السابع والعشرين من مارس 2026، تجمّع مئات المشيعين في مدينة المحرق لوداع الموسوي، البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، وسط هتافاتٍ حملت غضباً مكتوماً وصرخات رفض ضد ما اعتُبر صمتاً مفروضاً بالقوة. ويؤكد ناشطون أن رحيله لم يكن مجرد واقعة فردية، بل رسالة أرادت السلطات أن يسمعها كل من يفكر في الاحتجاج أو الاعتراض.
سياق مضطرب وتصاعد في القمع الداخلي
تزامنت وفاة الموسوي مع تصاعد التوتر في الخليج إثر الهجمات الصاروخية الإيرانية على عدد من الدول، من بينها البحرين، رداً على الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل شهر. وقد أوقعت تلك الهجمات ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى، فيما رافقها تشديد أمني واسع داخل المملكة.
منذ بداية النزاع، وثّقت منظمات حقوقية اعتقال ما لا يقل عن 220 شخصاً، على خلفية احتجاجات أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بعضها تضمّن توثيقاً لهجماتٍ إيرانية أو انتقاداتٍ للسلطات. غير أن الأرقام المرجّحة، وفق «معهد البحرين للحقوق والديمقراطية»، قد تكون أعلى بكثير نتيجة حالات الإخفاء القسري.
ما حدث لمحمد الموسوي
في التاسع عشر من مارس، خرج الموسوي برفقة أصدقائه لتناول وجبة السحور في الأيام الأخيرة من رمضان. ووفق رواية المنظمة الحقوقية نفسها، أوقفته السلطات عند نقطة تفتيش مع ستة من رفاقه، ثم انقطعت أخبارهم تماماً. وبعد ثمانية أيام تلقّت أسرته اتصالاً يطلب منها استلام جثمانه من مستشفى قوة دفاع البحرين.
عندما سلّم الجثمان، ظهرت عليه – بحسب صور اطلع عليها ناشطون – كدمات وآثار ضرب، ما أثار اعتقاداً واسعاً بأنه تعرّض للتعذيب قبل وفاته. غير أن وزارة الداخلية نفت ذلك، مؤكدة فتح تحقيق رسمي، ومعتبرة الصور المتداولة “غير دقيقة ومضللة”.
أشار بيان الوزارة إلى أن الموسوي كان موقوفاً لدى جهاز الاستخبارات الوطني بشبهة التجسس لصالح «الحرس الثوري الإيراني»، وتزويده بمعلومات يمكن أن تسهّل تنفيذ هجمات في البلاد. في المقابل، يؤكد أصدقاؤه أنه كان شاباً معافى، معروفاً بنشاطه الاجتماعي، قضى أكثر من عشر سنوات في سجن جو المركزي كمعتقل سياسي قبل أن يشمله عفو ملكي في أبريل 2024 ضمن إفراجٍ عن أكثر من 1500 سجين.
سجلت شهادة الوفاة، التي حُصل على نسخة منها، أن الوفاة وقعت عند الثانية والنصف فجراً يوم 27 مارس بسبب «توقف القلب» و«متلازمة الشريان التاجي الحاد». لكن عائلته ومنظمات حقوقية تشكك في هذه الأسباب، مشيرة إلى أن ما بدا على جسده لا يتسق مع رواية الوفاة الطبيعية.
أصوات من الداخل
عبّرت الناشطة الحقوقية إبتسام الصايغ، التي سبق أن تحدّثت عن تعرضها شخصياً لانتهاكات خلال استجوابها، عن “ألمٍ وعجز” بعد رؤية صور جثمان الموسوي، قائلة إن حالته “تستحضر ذاكرة عشرات الرجال الذين خرجت أجسادهم من أماكن الاحتجاز بالهيئة نفسها”.
قال أحد المشاركين في الجنازة، وهو صديق للراحل أمضى معه سنوات في السجن، إن الشعارات التي رُفعت “عبّرت عن رفضٍ للقهر رغم الخوف”. وذكر مشارك آخر أن الحادثة عمّقت إحساس الخوف لدى المواطنين الشيعة، موضحاً: “صرنا نعيش في ظل قلق دائم؛ يمكن اعتقالك في أي لحظة أو اختفاؤك بلا أثر، ثم تُفاجأ عائلتك بجسدك بلا حياة”.
جذور أعمق وأبعاد سياسية
تنحدر غالبية سكان البحرين من الطائفة الشيعية، بينما تنتمي الأسرة الحاكمة إلى المذهب السني، وهو انقسام انعكس تاريخياً على المشهد السياسي والاجتماعي. وتستضيف المملكة قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي التي تضم أكثر من تسعة آلاف جندي، ما جعل وجودها موضع انتقاد متكرر من قطاعات من المجتمع ترى فيه سبباً لتورط البلاد في صراعات إقليمية.
رفض البرلمان البحريني هذا التواجد في سبعينيات القرن الماضي، وهو ما ساهم في حلّه عام 1975 والدخول في حكم استثنائي امتد لسنوات. ومنذ ذلك الحين شهدت البحرين موجات احتجاج متقطعة، أبرزها انتفاضة التسعينيات وحراك 2011، والتي قُمعت بقوة.
الجنازة التي كشفت المخاوف
في جنازة الموسوي، ارتفعت هتافات تعبّر عن الغضب والاحتجاج، من بينها عبارات “لن نُهان” ونداءات ضد الملك. ورغم القيود الصارمة على التجمعات، خرجت تظاهرات ليلية محدودة تردّد عبارات شديدة اللهجة ضد الحكم.
لخّصت إحدى النساء المشاركات الرسالة كما يراها كثيرون: “الحكومة تريد شعباً صامتاً لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم. ما حدث مع محمد تحذير للجميع”. بعض النشطاء فسر تسليم الجثمان وعلى جسده ما يحمل من آثار بأنه “إنذار علني” لمن يفكر في إعادة إحياء التظاهر أو إبداء التعاطف مع المعتقلين.
بين الخوف والرسالة
رحيل محمد الموسوي لم يُغلق ملفه بقدر ما أعاد فتح نقاشٍ أوسع حول معنى العدالة في أوقات الأزمات، والحدود الممكنة بين الأمن وحقوق الإنسان. فالحدث، في ظاهره، قضية وفاة تحت التحقيق، لكنه في وعي كثير من البحرينيين صار رمزاً للخشية من مصيرٍ يمكن أن يصيب أي صوتٍ يخرج عن الصف.
وفي بلدٍ صغير يحضن إحدى أكبر القواعد الأمريكية، يبدو أن معركة الصمت هي الأكثر حسماً: هل يمكن أن يُسمع صوت العدالة وسط ضجيج الحرب والخوف؟
اقرأ المزيد
لقمة مغمسة بالخطر.. لماذا يرفض العمال الأجانب في الخليج مغادرة مواقعهم رغم الحرب؟
زلزال الحرب في إيران يضرب استقرار البحرين: قلق من توسع رقعة “الاضطرابات المدنية”












