وطن-لم يعد الكوليسترول مجرّد رقم في نتائج التحاليل الطبية، ولا هو العدو المطلق كما اعتدنا وصفه. فبعد سنوات من التعامل معه بصفته تهديدًا صامتًا للصحة القلبية، تكشف الأبحاث الحديثة عن وجه آخر لهذه المادة التي لا يمكن للجسم أن يعيش من دونها. فهي عنصر أساسي في بناء أغشية الخلايا وتكوين الهرمونات، لكن متابعتها داخل الجسم ظلّت تحديًا معقدًا أمام العلم.
توصّل اليوم فريق من جامعة بنسلفانيا بالتعاون مع الجامعة التقنية في الدنمارك، إلى فكرة وصفت بأنها «قفزة في علم الكيمياء الحيوية»: إنشاء جزيء متطور يُعرف باسم «الفوتوكوليسترول» يمكن التحكم فيه بالضوء، وقد يغيّر الطريقة التي نفهم بها الكوليسترول ونعالجه في المستقبل.
من المختبر إلى فكرة علمية لامعة
إن الفوتوكوليسترول ليس كوليسترولًا بالمعنى التقليدي، لكنه يشبهه من حيث البنية والتصرف داخل الخلايا. ما يجعله مختلفًا هو امتلاكه «مفتاحًا ضوئيًا» يسمح بتبديل حالته عند تعرّضه لأطوال معينة من الضوء، مما يتيح تشغيل نشاطه الحيوي أو إيقافه حسب الحاجة.
بهذه الخاصية، يصبح هذا الجزيء أداة مراقبة دقيقة يمكنها متابعة حركة الكوليسترول داخل الخلية، ورصد بروتيناته المرافقة، وحتى تعطيل بعضها مؤقتًا لمعرفة دورها في ارتفاع مستويات الدهون.
يقود المشروع الأستاذ ديرك تراونر بمشاركة الباحث مايكل زوت، اللذين أشارا إلى أن النتائج الأولى فاقت توقعاتهما. فقد اكتشف الفريق أن بعض أنواع الفوتوكوليسترول تميل للارتباط ببروتينات محددة مسؤولة عن نقل الكوليسترول داخل الجسم، أبرزها ORP1 وORP2، وهما عنصران حاسمان في تنظيم مستوياته في الخلايا.
نحو علاجات ذكية تعمل بالضوء
من بين إحدى الإمكانات المثيرة لهذا الابتكار، أنه قد يجعل أدوية الكوليسترول أكثر دقة وانتقائية. فوفقًا للبروفسور تراونر، يمكن في المستقبل إعطاء الجسم مركّبًا خاملاً نسبيًا ثم تفعيله بواسطة شعاع ضوء موجّه إلى منطقة معينة، ما يسمح بتوجيه العلاج فقط إلى الأنسجة التي تحتاجه من دون التأثير على بقية الجسم.
هذه التقنية، إن تم تطويرها سريريًا، قد تغيّر مفهوم العلاج الدوائي، إذ تسمح بالتحكم في زمن ومكان فعالية الدواء. ويؤكد الباحثون أن الجزيئات الجديدة تتمتع بقدرة عالية على اختراق الأنسجة، ما يجعلها مناسبة للوصول إلى أعماق يصعب بلوغها بالطرق التقليدية.
ما زال الطريق طويلًا نحو العلاج
وعلى الرغم من بريق الفكرة، يشدّد العلماء على أنها ما زالت في نطاق الأبحاث المخبرية. فالدراسة المنشورة في Journal of the American Chemical Society لا تعني أن هناك علاجًا جاهزًا يعتمد على الضوء لتخفيض الكوليسترول في الوقت الراهن. لكنّها تمثل أداة بحثية تفتح آفاقًا جديدة أمام فهم آليات الدهون في الجسم.
في الوقت نفسه، يظل الجدل قائمًا داخل الأوساط الطبية حول الحدود «الآمنة» لمستويات الكوليسترول وأسباب ارتفاعها بين الموروث والعادات الغذائية ونمط الحياة. فبينما يرى بعض الأطباء أن خفض الأرقام الحالية قد يكون مبالغًا فيه، يتمسك آخرون بضرورة الانضباط الصارم لتفادي أخطار الجلطات وأمراض القلب.
سلوكيات بسيطة ما زالت تصنع الفرق
حتى تصبح هذه الاكتشافات واقعًا علاجيًا، تبقى الوسائل التقليدية أكثر ضمانًا للحفاظ على توازن الكوليسترول مثل: نظام غذائي متوازن، ممارسة النشاط البدني المنتظم، ونوم كافٍ. فهذه العادات الثلاث تظل أقوى ما يمكن الاعتماد عليه قبل أي تدخل دوائي.
ولا يعني الاهتمام بالكوليسترول الابتعاد عن الدهون نهائيًا، فالجسم يحتاجها لبناء خلاياه وتنشيط هرموناته. المطلوب فقط هو التنوّع الغذائي والاعتدال، وهي النصيحة التي تتجدد كلما خطت الاكتشافات العلمية خطوة نحو المستقبل.
بهذا الإنجاز الواعد، يلوح في الأفق عصر قد يصبح فيه الضوء نفسه أداة لعلاج إحدى أكثر مشكلات العصر انتشارًا، مانحًا الأمل بسبل أدق وأذكى للحفاظ على صحة القلب والحياة.
اقرأ المزيد
فاكهة العام 2026… كنز بنفسجي يعزّز المناعة ويحمي القلب
عصائر يومية لدعم صحة القلب وخفض الكوليسترول طبيعيًا
مزيج بسيط من التوابل قد يعزز امتصاص الفيتامينات ويخفف الالتهابات












