وطن-قد تبدأ الحكاية بوخزة بسيطة تدفعنا إلى الحكّ بلا تفكير، بحثًا عن راحة عابرة. لكن ما يبدو تهيجًا عاديًا في الجلد قد يكون، في بعض الحالات، رسالة يبعثها الجسم ليشير إلى مشكلة أعمق. فالأطباء يعرّفون هذه الحالة باسم “الحكاك” أو “البروريتو”، وهي شعور مزعج يولّد رغبة لا يمكن مقاومتها في الحكّ. وعلى الرغم من اعتباره عرضًا طفيفًا في أغلب الأحيان، فإن استمراره لأسابيع أو تحوله إلى عادة مزمنة قد يؤثر على النوم والحالة النفسية ونوعية الحياة.
رحلة الحكة من الجلد إلى الدماغ
ليست الحكة مجرد إحساس سطحي، بل نتيجة شبكة معقدة من الإشارات العصبية والمناعية تمتد بين الجلد والجهاز العصبي والدفاعات الحيوية للجسم. أحيانًا يكون مصدرها موضعيًا، فتحدث نتيجة احتكاك خفيف أو تلامس مع صوف أو ألياف، فتحفّز خلايا الجلد مادة “الهيستامين” التي تُنتج في الخلايا البدينة، مسببة احمرارًا ووخزًا مميزين.
ومن أبرز المسببات الموضعية الجفاف الجلدي الذي يزداد شيوعًا بعد سن الخامسة والخمسين، حيث يفقد الجلد رطوبته الطبيعية فيصبح أكثر عرضة للتهيج. وفي هذه الحالات، ينصح الأطباء بالاستحمام بماء فاتر، واستخدام صابون لطيف خالٍ من العطور أو المنظفات القوية، ثم ترطيب الجلد مباشرة بكريم يحتوي على المنثول أو الكافور.
وراء الحكة أسباب لا يراها الجلد
عندما يمتد الإحساس إلى الجسم كله، قد لا يكون السبب جلديًا على الإطلاق. فتكرار الحكة على نطاق واسع قد يشير إلى اضطرابات في أعضاء داخلية مثل الكبد أو الكلى، أو إلى تغيرات في هرمونات الغدة الدرقية. كما يلاحظ بعض مرضى السكري أن الحكة تظهر لديهم كأحد أعراض اختلال سكر الدم.
وفي حالات نادرة، تكون العلامة الأولى على أمراض أكثر تعقيدًا كالتصلب المتعدد أو بعض أنواع السرطان في الدم أو الغدد اللمفاوية، وغالبًا ما ترافقها أعراض أخرى مثل تضخم العقد، الحمى، فقدان الوزن، أو التعرق الليلي.
ولا يُستبعد أن تكون الأدوية جزءًا من القصة، إذ يمكن لمركبات مثل الأسبرين، أو بعض المضادات الحيوية، أو مضادات الاكتئاب أن تؤدي إلى حكة كأثر جانبي، سواء بسبب تفاعل تحسسي أو نتيجة إفراز زائد للهيستامين كما يحدث مع المورفين وبعض أدوية الأشعة.
حين يتحول الحكّ إلى حلقة مفرغة
تمنح الحكّة المستمرة راحة مؤقتة لأنه يفعّل إشارات عصبية تُضعف الشعور بالتهيج، لكنه سريعًا ما يرتد على صاحبه فيضاعف الإحساس بالحكة. ومع تكرار الحكّ أو استخدام الأظافر قد تتشكل جروح دقيقة تجعل الجلد أكثر حساسية. لذا ينصح الأطباء باستخدام أطراف الأصابع بلطف أو تمرير الماء البارد على الموضع بدلاً من الخدش بالأظافر.
الحكة التي تبدأ من الدماغ
ليس كل ما نشعر به على الجلد مصدره ظاهر. فهناك ما يُعرف بـ”الحكاك النفسي”، وهو نوع من الحكة تنشأ من اضطرابات نفسية أو فترات توتر شديدة. في مثل هذه الحالات، لا تكون هناك إصابة أو تفاعل جلدي مباشر، وإنما تنشط منظومة الاستجابة العصبية – الهرمونية المرتبطة بالتوتر، لتفرز مواد التهابية في الجلد.
وعلى الرغم من أنها حكة حقيقية يشعر بها المريض بوضوح، فإنها غالبًا تزول بزوال الضغوط التي سببتها. ومع ذلك، قد تتطلب بعض الحالات تدخلًا طبيًا مختصًا لمعالجة القلق أو الاضطراب المسبب. وتشير دراسات دولية إلى أن ما بين 36% و42% من المرضى النفسيين يعانون من هذا النوع من الحكة.
كيف نحافظ على توازن الجلد والجسد؟
يبدأ التعامل مع الحكة بفهم سببها الحقيقي، وليس فقط بعلاج أثرها الخارجي. فالترطيب المنتظم، والابتعاد عن المواد المثيرة للحساسية، ومراقبة أي تغيّر عام في الجسم، خطوات أساسية للوقاية. أما الحكة التي تستمر أكثر من أسبوعين أو تترافق مع أعراض أخرى كفقدان الوزن أو الحمى، فهي تستدعي مراجعة الطبيب فورًا.
ليست الحكة دائمًا أمرًا عابرًا، بل أحيانًا هي لغة الجسد التي تطلب منا أن نصغي أكثر لما يجري في الداخل.
اقرأ المزيد
تأثير الضوضاء على الجسم: 6 مخاطر صحية لا تعرفها عن العيش في عالم صاخب
بشرة متعبة… ونفس منهَكة: كيف ينعكس الضغط النفسي على مظهر الجلد؟
خبير قلب يوصي: تناول السردين مرتين أسبوعياً لهذا السبب المذهل!












