وطن-في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب في إيران، تشهد الإمارات العربية المتحدة واحدة من أكبر حملات الملاحقة الرقمية في تاريخها الحديث، بعدما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور ومقاطع مصوّرة تُظهر آثار الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية خلال الأسابيع الماضية.
تأتي هذه الإجراءات في وقت تتعرض فيه صورة الدولة كمركز آمن وجاذب للاستثمار والسياحة إلى اهتزازٍ ملحوظ، بعد أن طالت الهجمات مواقع بارزة مثل مطار دبي الدولي وفندق “فيرمونت” الواقع في نخلة جميرا. وتشير التقديرات إلى أنّ إيران أطلقت حتى نهاية مارس أكثر من 398 صاروخًا بالستيا وما يزيد على 1800 طائرة مسيّرة و15 صاروخًا مجنحًا باتجاه الأراضي الإماراتية.
وفي سياق المساعي الرسمية للحدّ من الأضرار المعنوية، أطلقت السلطات الإماراتية حملة لمراقبة المحتوى الرقمي ومنع تداول أي مواد مرئية تتعلق بالهجمات، مؤكدة أنّ نشر أو مشاركة هذه اللقطات “قد يثير الذعر ويزعزع الأمن العام”.
غير أن هذه الحملة شملت عشرات المقيمين والسياح والعاملين الأجانب، بينهم بريطانيون جرى توقيفهم لمجرد تصوير أو مشاركة صور للهجمات، أو حتى بسبب احتفاظهم بها في هواتفهم من دون حذفها. ووفقًا لمنظمة “محتجزون في دبي” التي تتابع أوضاع المعتقلين، فقد تم تسجيل “اعتقالات ومحاكمات واسعة لمواطنين ومقيمين من جنسيات مختلفة”، بعضهم أوقف إثر إرسال صور لعائلاتهم وأصدقائهم عبر الرسائل الخاصة.
وتقول المنظمة إنّ التفاعل مع مثل هذا المحتوى—even عبر إعادة الإرسال أو الحفظ—قد يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية، مشيرة إلى أنّ بعض المحتجزين أُجبروا على توقيع إفادات باللغة العربية من دون حضور محامين أو ترجمة قانونية. وتقدّر الجهات الحقوقية أنّ ما لا يقل عن 35 مواطنًا بريطانيًا احتُجزوا في دبي، إلى جانب عدد مشابه في أبوظبي، في حين أكدت وزارة الخارجية البريطانية أنها تتابع حالات مواطنيها وتطالب بحق الوصول القنصلي الكامل إليهم.
وفي إحدى القضايا، احتُجز أحد أفراد طاقم طيران بريطاني يعمل لدى “فلاي دبي” بعد أن التقط صورة لأضرار خلّفها سقوط طائرة مسيّرة قرب مطار دبي في السابع من مارس، وشاركها مع زملائه. وفي واقعة أخرى، أُلقي القبض على سائح في الستين من عمره من لندن بتهمة تصوير مشاهد الهجمات، رغم أنه حذف التسجيل فور تحذيره، ويواجه عقوبة تصل إلى عامين سجنا وغرامة قد تتجاوز أربعين ألف جنيه إسترليني.
تؤكد تقارير حقوقية أنّ بعض الموقوفين يُحتجزون في ظروف صعبة ويُحرمون من الرعاية الطبية الكافية، فيما تُوجَّه اتهاماتهم في إطار قضايا أمنية قد تصل عقوبتها القصوى إلى خمسة عشر عامًا. وفي المقابل، أشارت السفارة الإماراتية في لندن إلى أنّ نشر أو تداول أي مواد “غير دقيقة” حول الأوضاع الداخلية قد يؤدي إلى “خلق انطباع مضلل وإثارة الخوف بين الناس”.
اقتصاديًا، تعيش الإمارات واحدة من أقسى فترات الضغوط المالية منذ عقود، بعد أن فقدت نحو 120 مليار دولار من القيمة السوقية في بورصتَي دبي وأبوظبي خلال شهر واحد، وهبط مؤشر العقارات في دبي بنسبة 16% تقريبًا منذ بداية الحرب. وتعتمد الدولة بشكل كبير على قطاعات السياحة والعقارات والخدمات اللوجستية والمالية التي تأثرت بشكل مباشر بالاضطرابات الجارية.
وفي خضم هذه التحديات، ترتفع دعوات المنظمات الحقوقية والحكومات الأجنبية لضمان حقوق الموقوفين وتوفير حماية قانونية وإنسانية لهم، فيما تستمر السلطات الإماراتية في تطبيق قوانينها بحزم للحفاظ على ما تصفه بـ”استقرار المجتمع وأمنه الرقمي”.
تُذكّر الأحداث الراهنة بخطورة التعامل غير المدروس عبر الإنترنت أثناء الأزمات، وبأهمية الوعي باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المناطق المتوترة؛ فصورة أو مقطع واحد قد يتحول إلى تهمة، في زمنٍ تتقاطع فيه الكاميرات مع السياسة والأمن والاقتصاد في آنٍ واحد.
اقرأ المزيد
سيناريو الغزو: كيف تخطط إيران لاستهداف الإمارات رداً على واشنطن؟
*خبير إيراني يُحذر: طهران مستعدة للسيطرة على البحرين وسواحل الإمارات في حال ارتكبت واشنطن “أي خطأ”












