وطن-يتصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مطلع مارس/آذار، وسط تحذيرات أوروبية من أن ما يجري قد يتحول إلى حرب طويلة الأمد تُعيد إلى الأذهان اجتياح عام 1982، وربما يتجاوز فداحته.
فقد ركّزت إسرائيل خلال الأسابيع الماضية هجماتها على الجنوب اللبناني، معلنة المنطقة بأكملها “منطقة عسكرية مغلقة” تشمل الضفة الجنوبية لنهر الليطاني، ما أدى إلى عزل جزء كبير من الجنوب عن سائر الأراضي اللبنانية. وشملت العمليات تدمير جسورٍ ومعابر رئيسية، وإصدار أوامر بإخلاء المناطق الواقعة جنوب النهر، في خطوة وُصفت بأنها الأوسع منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000.
تحركات إسرائيلية وتباعد في المواقف
على الرغم من أن الحكومة اللبنانية فتحت الباب أمام اتصالات مباشرة غير مسبوقة مع الجانب الإسرائيلي، فإن تل أبيب رفضت العرض، معتبرة أنه “متأخر وغير مؤثر”، في ظل ما تصفه بعجز بيروت عن لجم أنشطة حزب الله منذ انتهاء حرب نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وبينما تؤكد إسرائيل أنها تنفذ خطة عسكرية متكاملة للسيطرة على الجنوب اللبناني حتى أطراف الليطاني، تشير معلومات دبلوماسية إلى أنّ النقاش داخل الأوساط الإسرائيلية لا يستبعد الإبقاء على وجود عسكري دائم في مناطق محددة. فقد ألمح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى إمكانية “امتداد الحدود الإسرائيلية حتى نهر الليطاني”، في حين أعلن وزير الدفاع يوآف كاتس أن بلاده ستواصل السيطرة العسكرية على الشريط الجنوبي حتى ضمان “أمن الشمال الإسرائيلي”.
مقاومة لبنانية وتحذيرات من حرب طويلة
في المقابل، تواجه القوات الإسرائيلية مقاومة شرسة من مقاتلي حزب الله الذين يعتمدون تكتيكات حرب العصابات في مناطق حدودية إستراتيجية. وأفادت تقديرات أوروبية بأن المقاومة الميدانية قد تجعل العمليات الإسرائيلية تنزلق إلى حرب طويلة، يصعب حسمها عسكريًا وتُعيد إلى الواجهة أجواء الثمانينيات القاتمة.
وقال مسؤول أوروبي إن “الصراع الحالي بدأ يأخذ ملامح الكارثة نفسها التي عرفها لبنان عام 1982″، بينما أضاف آخر أن الوضع قد يكون “أسوأ هذه المرة، لأن إسرائيل لا تملك حلفاء محليين كما في السابق”.
كلفة إنسانية متصاعدة
تجاوز عدد القتلى اللبنانيين جراء القصف الإسرائيلي 1,200 شخص، فيما فاق عدد النازحين المليون، جلّهم من الضاحية الجنوبية لبيروت ومن المناطق الشرقية والجنوبية. وأشار تقرير صادر عن المجلس النرويجي للاجئين منتصف مارس/آذار إلى أن ما لا يقل عن 14% من مساحة البلاد خضعت لأوامر إخلاء قسري.
ويواجه النازحون، خصوصًا أبناء الطائفة الشيعية، صعوبات بالغة في إيجاد أماكن للإيواء في الشمال أو في ضواحي العاصمة، حيث يخشى الأهالي استهداف المباني التي تأويهم، بينما اقتصرت بعض الفنادق والمبانى على استقبال النساء والأطفال. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار هذا المشهد إلى تأجيج التوترات الطائفية مجددًا في البلاد.
مأزق سياسي لبناني وقلق دولي
حاولت الحكومة اللبنانية منذ اندلاع القتال النأي بنفسها عن أنشطة حزب الله، وأعلنت حظرًا شاملًا لأي نشاط عسكري أو أمني يتعلق به. كما اتخذت خطوة دبلوماسية غير مسبوقة بطرد السفير الإيراني من بيروت، في محاولة لإثبات حيادها.
غير أن مسؤولين أوروبيين حذروا من أن المضي في الحرب قد يُضعف المؤسسات اللبنانية إلى حد يفقد معه المجتمع الدولي جهة شرعية للتفاوض، وهو ما سيترك فراغًا سياسيًا خطيرًا في بلد يعاني أصلًا من انقسام داخلي مزمن.
أفق مفتوح على المجهول
وبينما تتواصل العمليات العسكرية على الأرض، يرى مراقبون أن الصراع تجاوز مرحلة الردع إلى مواجهة مفتوحة، لا يبدو أن أيا من الطرفين مستعد للتراجع فيها. ومع استمرار نزوح المدنيين وغياب أفق التسوية، يتعزز الخوف من أن تكون هذه الحرب مقدمة لحقبة جديدة من العنف الدامي في المنطقة، قد لا تنتهي قريبًا.
يدفع المدنيون مجددًا ثمن النزاعات السياسية والعسكرية التي تعصف ببلادهم. وبين الخسائر البشرية والمآسي الإنسانية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى إلى تحرك دولي جاد يوقف دوامة الحرب قبل أن تتحول إلى تهديد شامل لاستقرار المنطقة بأكملها.
اقرأ المزيد
إسرائيل تخطط لفرض “سيطرة” على جنوب لبنان.. وسموتريتش يدعو لزحف الحدود إلى نهر الليطاني
تحت نيران القصف.. عشرات الآلاف يفرون من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية تواجه خطر “المحو”












