وطن-في زيارة دبلوماسية جديدة إلى العاصمة البريطانية، شدّد الرئيس السوري أحمد الشرع على ضرورة أن تظلّ بلاده بعيدة عن أي مواجهة عسكرية إقليمية، في وقت يتجدّد فيه القلق من اتساع رقعة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. جاءت تصريحات الشرع خلال لقائه في معهد “تشاتهام هاوس” في لندن، حيث أكّد أن “سوريا لن تدخل أي حرب إلا إذا فُرضت عليها”، داعيًا إلى منح الدبلوماسية فرصة قبل الانزلاق إلى مواجهة لا يريدها السوريون بعد أربعة عشر عامًا من الصراع الدموي الداخلي.
سياق زيارة دقيقة
وصل الرئيس السوري متأخرًا أكثر من ساعة عن موعد الجلسة في المعهد، بعدما واجهت الشرطة البريطانية صعوبة في تأمين دخوله وخروجه وسط تظاهرات صاخبة لمعارضين سوريين مقيمين في بريطانيا. رفع المتظاهرون لافتات تتّهم الشرع بالمسؤولية عن استهداف الأقليات، في حين هتف أنصاره حاملين العلم السوري لدعمه، ما عكس عمق الانقسام السوري حتى خارج البلاد.
الزيارة إلى لندن كانت محطة ضمن جولة أوروبية يسعى من خلالها الشرع إلى حشد دعم اقتصادي لإعادة إعمار بلاده المنهكة. وكان قد زار برلين قبلها بيوم واحد، حيث اجتمع بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي أعلن أنّ بلاده تتوقع عودة نحو 800 ألف لاجئ سوري إلى وطنهم بحلول عام 2030.
سوريا بين الحذر والبحث عن حلول
أكد الشرع أن دمشق لا تعتزم الدخول في أي محور عسكري، ملمّحًا إلى أنّ حكومته لا تربطها علاقات رسمية مع إيران، رغم دعم طهران الواسع لنظام بشار الأسد خلال الحرب. وقال في هذا الصدد إنّ “تدخّل إيران في الشأن السوري ساهم في تهجير الملايين وإطالة أمد المعاناة”. وأضاف: “مشكلتنا ليست مع إيران حين تكون في طهران، بل حين تكون في دمشق”.
الرئيس السوري تطرّق أيضًا إلى آثار التدخلات الإقليمية وبرامج الصواريخ الباليستية والنشاط النووي الإيراني، معتبرًا أنها من أبرز مصادر الاضطراب في المنطقة، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن خيار بلاده هو “التفاهم والتفاوض لا المواجهة”.
الواقع الميداني وانقسامات الداخل
تعاني حكومة الشرع التي تولّت السلطة بعد إطاحة نظام الأسد في أواخر عام 2024 من تحديات أمنية حادة، خصوصًا إثر تصاعد أعمال عنف في محافظة اللاذقية ذات الغالبية العلوية. وقد أودت الاشتباكات، التي اتُهم موالون سابقون للنظام بتأجيجها، بحياة ما لا يقل عن 1500 شخص العام الماضي، بحسب تحقيق لوكالة رويترز.
في ظل هذه الأحداث، عبّر متظاهرون من الطائفتين العلوية والعلَوية المقيمتين في بريطانيا عن رفضهم لزيارة الشرع، واعتبروها “تطبيعًا مع العنف”. وقال ماهر حمدوش، مدير “الجمعية الساحلية السورية”، إنّ السماح بدخول مسؤولين “مرتبطين بانتهاكات” إلى بريطانيا “يوجّه رسالة خاطئة حول العدالة والمحاسبة”.
تداعيات الهجمات الإسرائيلية
يواجه الشرع تحديًا آخر على الحدود، مع تفاقم التداعيات الإنسانية للهجمات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان وسوريا. فقد أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أنّ أكثر من 200 ألف شخص فرّوا من لبنان إلى الأراضي السورية منذ استئناف الغارات الإسرائيلية الشهر الماضي، في وقت تجاوز عدد القتلى اللبنانيين ألفًا ومئتين.
وذكّر ممثل المفوضية بالإنابة في دمشق، عصير المَدائِن، بأنّ موجات اللجوء الجديدة تأتي بعد أعوام من نزوح نحو مليون ونصف المليون سوري إلى لبنان منذ عام 2011، بعضهم بدأ بالعودة تدريجيًا منذ سقوط النظام السابق، رغم استمرار القلق من القصف وعدم الاستقرار.
أمل مشروط في عودة اللاجئين
الرئيس السوري شدّد على أن عودة اللاجئين “ليست عملية يمكن فرضها أو استعجالها”، موضحًا أنّ كثيرين من السوريين أسّسوا حيواتهم في دول الاغتراب ولا يمكن إعادتهم قسرًا. وأضاف: “يجب أن تتمّ العودة بإرادة حرة وبكرامة، لا عبر طائرات تعيد الناس ثم تدفعهم إلى المغادرة من جديد”.
نظرة نحو المستقبل
وسط هذه التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، يسعى الشرع إلى إعادة تقديم سوريا كطرف يسعى إلى الاستقرار لا إلى التصعيد. إلا أن الطريق نحو ذلك يبدو طويلًا وشائكًا، في بلد لا تزال جراحه مفتوحة وشعبه ممزقًا بين المنافي والانتظار.
وفي كلمته الختامية في لندن، لخّص الرئيس السوري موقفه بعبارة أعادت صدى سنوات الحرب: “سوريا لا تريد أن تبدأ عدوانًا على أحد. ما نريده ببساطة هو ألّا تعود بلادنا ساحة لحربٍ أخرى.”
اقرأ المزيد
تحقيق واشنطن بوست يكشف دعم إسرائيل السري لميليشيا درزية في سوريا بعد سقوط الأسد لمنع توحيد البلاد
بين فكي كماشة.. كيف تحاول تل أبيب استدراج دمشق إلى “قواعد اشتباك” جديدة؟












