وطن-تعيش إيران مطلع عام 2026 على وقع تحولات متلاحقة تركت البلاد في حالة من التوتر والترقب. فبعد شهور قليلة من المظاهرات التي اجتاحت المدن الكبرى احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية، وجدت طهران نفسها في مواجهة تصعيد عسكري متواصل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط مخاوف من غزو بري وشيك.
وعلى الرغم من أن نيران الحرب طغت على المشهد، فإن ما جرى خلال أسابيع الاحتجاجات الأخيرة ما زال يثير كثيرًا من التساؤلات. فقصص “الوجوه الغريبة” التي ظهرت بين المتظاهرين، والأسلحة غير المألوفة التي فتكت ببعض المشاركين والمارة، تحولت إلى ألغاز لم تنجلِ بعد.
حوادث تُشعل الشكوك
يستعيد شهود عيان من طهران وقم وقزوين مشاهد يصعب تفسيرها؛ رجل يتنكر في زي عامل نظافة ويسحب مسدسًا ليصيب فتاتين في زقاق هادئ، ومجموعة ترتدي السواد تتحرك بانضباط أشبه بالوحدات التكتيكية الغربية، تقود المظاهرات ثم تختفي فجأة عند اندلاع المواجهات.
بعض المشاركين تحدّث عن أشخاص لا يعرفون المنطقة التي يتحركون فيها، يتحدثون بلهجة مختلفة، ويصدرون أوامر من موقع القيادة المؤقتة. آخرون ذكروا أسلحة لم تُستخدم في أي من العمليات الأمنية الإيرانية السابقة.
وفي الوقت الذي اتسعت فيه رقعة التظاهرات من سوق طهران الكبير إلى مدن أخرى، بدأت أصوات رسمية وإعلامية في الخارج تلمّح إلى وجود دور استخباري وراء المشهد. فقد صرّح وزير التراث الإسرائيلي آنذاك، أميحاي إلياهو، بأن عملاء من الموساد “يؤدون مهامهم داخل إيران”، بينما كتب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو منشورًا قال فيه إن “عملاء الموساد يسيرون في شوارع إيران جنبًا إلى جنب مع المتظاهرين”.
وتسربت لاحقًا تقارير أفادت بأن مدير الموساد أبلغ مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين بأن شبكته في الداخل الإيراني قادرة على “إشعال انتفاضة جديدة من الداخل”.
رغم ذلك، لم يتمكّن أي مصدر مستقل من التحقق من هذه الادعاءات، غير أن توافق شهادات ميدانية ومؤشرات أمنية سابقة دفع كثيرين للاعتقاد بوجود أطراف خارجية فاعلة في الساحة.
قمع دموي وأرقام متضاربة
في الثامن من يناير، وبعد أسابيع من الاضطرابات، شنّت السلطات حملة أمنية واسعة وصفت بأنها الأعنف منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022.
الأرقام الرسمية حصرت القتلى في 3,117 شخصًا بين متظاهرين وعناصر أمن ومارة، لكن منظمات حقوقية معارضة تحدثت عن ما يزيد على 7,000 ضحية.
واتهمت الأجهزة الأمنية “عملاء مرتبطين بالموساد” بالتورط في بعض أعمال القتل، معتبرة أن الهدف كان “تهيئة رأي عام عالمي ضد إيران تمهيدًا لهجوم عسكري”.
مستشارون قريبون من دوائر صنع القرار شبّهوا ما جرى بالانفجار الذي استهدف آلاف أجهزة النداء الخاصة بعناصر حزب الله في لبنان عام 2024، والذي اعتبر حينها مقدمة لعمليات إسرائيلية واسعة.
رصاص مجهول وهوية غامضة
وسط هذا الغموض، ظهرت روايات عن عمليات قتل بدت بلا منطق. قالت إحدى الشهود إنها رأت من سطح منزلها في مدينة شمالية قرب بحر قزوين عامل نظافة يطلق النار على فتاتين في الشارع ثم يختفي. وفي قزوين، تحدث مصدر داخل الحرس الثوري عن مقتل أم وطفلها بسلاح “غير معروف ضمن ترسانة القوات الإيرانية أو قوات التعبئة”.
في المقابل، ظهرت حسابات على وسائل التواصل باللغة الفارسية تدعو إلى “الخروج الجماعي للشارع” وتعلن “المشاركة الميدانية من الداخل”، ما زاد الشكوك حول وجود نشاط منسق لعناصر أجنبية.
بين الإنكار الشعبي والريبة الرسمية
ورغم حرص المسؤولين الإيرانيين على تأكيد فرضية التورط الإسرائيلي، فإن كثيرًا من المشاركين في الاحتجاجات رفضوا هذا التفسير، معتبرين أن الحكومة تستخدمه لتبرير القمع الدموي.
أستاذ للعلوم السياسية في طهران – فضّل عدم كشف هويته لأسباب أمنية – قال إن “الثقة شبه منعدمة بين الناس والسلطة، لدرجة أن أي معلومة تصدر رسميًا تُقابل تلقائيًا بالتكذيب، حتى لو ثبتت صحتها”.
وأضاف أن المجتمع يعيش تحت وطأة “جرح غائر من العنف والكبت، وصل إلى نقطة انفجار لم يعرفها الإيرانيون من قبل”، مشيرًا إلى أن الأجيال الجديدة لم تعد تطالب بالإصلاح كما حدث في احتجاجات 1999، بل باتت مدفوعة برغبة في الانتقام من منظومة تعتبرها مسؤولة عن تراكم الغضب والظلم.
خاتمة: جيل بين الشك والخذلان
بين روايات عن عملاء وصور عنف غير مسبوق، تقف إيران اليوم أمام فصل معقد من تاريخها الحديث. فالمشهد لم يعد نزاعًا بين الشارع والسلطة فحسب، بل اختبارًا لمدى قدرة المجتمع الإيراني على التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين الغضب المشروع والتلاعب الخارجي.
وفي غياب إجابات حاسمة، يبقى السؤال المفتوح: هل ما شهده الإيرانيون كان انتفاضة داخلية خالصة، أم أن أيادي خفية نجحت في تحويل الغضب الشعبي إلى ساحة حرب خفية؟ ما بات مؤكدًا هو أن جراح يناير لم تندمل بعد – وأن جيلًا كاملاً يعيش بين الشك والخذلان.
اقرأ المزيد
ما مدى تورّط قادة جهاز الموساد الإسرائيلي في أزمة الاحتجاجات بإيران؟
ورقة إيران الرابحة في “حرب الظل”: هل لا تزال مونيكا ويت تهدد أمن أمريكا في عهد ترامب؟













تعليق واحد
اللهم يامالك الملك ياحي ياقيوم أن لاتدع لايران باقيه ولا ترفع لهم رايه واذلهم واخزهم وادحرهم اللهم فرق شملهم