وطن-تشهد المحكمة الجنائية الدولية واحدة من أكثر فتراتها اضطرابًا منذ تأسيسها، بعد انقسام غير مسبوق داخل هيئتها الحاكمة بشأن مستقبل المدعي العام كريم خان، الذي يواجه تحقيقًا في مزاعم سوء سلوك لا تزال طبيعتها غير واضحة تمامًا.
فقد صوّتت أغلبية أعضاء المكتب التنفيذي لجمعية الدول الأطراف، الأربعاء، لصالح مذكرة ترجّح احتمال ارتكاب خان نوعًا من التجاوزات المهنية، رغم أن لجنة قضائية مستقلة تابعة للهيئة نفسها كانت قد برأته تمامًا قبل أسابيع، مؤكدة أن التحقيق الأممي لم يثبت أي إخلال بواجباته.
انقسام دولي واضح
وبحسب مصادر دبلوماسية، فقد أيّد هذا التوجه 15 دولة، معظمها من أوروبا وغرب العالم، من بينها بلجيكا وإيطاليا وسويسرا وفنلندا وكوريا الجنوبية والبرازيل، بينما دعمت أربع دول إفريقية — هي السنغال وجنوب إفريقيا وكينيا وسيراليون — تقرير القضاة المبرّئ. في المقابل امتنعت أوغندا والبوسنة والهرسك عن التصويت.
ولا يعد التصويت قرارًا نهائيًا، إذ ينتظر أن تُوجّه خلال أيام رسالة رسمية إلى خان تتضمن مضمون المداولات، ليُمنح بعدها ثلاثين يومًا لتقديم رده قبل صدور التقييم النهائي للمكتب التنفيذي في مطلع يونيو المقبل.
خلفية التحقيق
بدأت القضية أواخر عام 2024 إثر شكاوى إعلامية تتحدث عن مزاعم تحرش جنسي موجّهة ضد خان من إحدى الموظفات، ما دفع رئاسة الجمعية إلى إحالة الملف إلى مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة لإجراء تحقيق مستقل. وقد تعاون الطرفان—خان والمشتكية—مع البعثة الأممية التي عملت أكثر من عام على فحص الأدلة والمقابلات والشهادات.
وفي ديسمبر 2025 سلّم الفريق تقريرًا من 150 صفحة يتضمن خمسة آلاف صفحة من الملاحق، خلصت نتائجه إلى عدم وجود دليل قاطع على أي مخالفة، وهو ما أكدته لاحقًا اللجنة القضائية المؤلفة من ثلاثة قضاة دوليين مستقلين عيّنهم المكتب التنفيذي نفسه.
ملاحظات القضاة وموقف المدعي العام
أوضح القضاة أن التحقيق الأممي لم يقدّم رواية متماسكة أو تقييمًا واضحًا لمصداقية الشهود، وأنه اعتمد جزئيًا على شهادات سماعية لا ترقى لمستوى الدليل المباشر، ما جعلهم يستنتجون بالإجماع أنه “لا يوجد ما يثبت وقوع أي سلوك منحرف بما يتجاوز الشك المعقول”.
أما خان، الذي حصل على إجازة مفتوحة منذ مايو 2025 في انتظار نتائج التحقيق، فقد نفى بشكل قاطع جميع الاتهامات، معتبرًا أن مسار القضية تداخل مع حملات تستهدف عرقلة تحقيق مكتبه في جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة.
جدل قانوني وسياسي
قرار المكتب التنفيذي بتجاهل خلاصات القضاة أثار انتقادات واسعة من خبراء القانون وممثلي الهيئات المهنية. فقد أصدر محاميا خان، طيّاب علي وساريتا أشرف، بيانًا أكدا فيه أن إرجاء نتائج لجنة قضائية مستقلة لصالح تقييم سياسي يُعدّ سابقة خطيرة تمسّ مبدأ سيادة القانون. وحذّرا من أن “استبدال حكم قانوني محايد بتقدير سياسي من أطراف لها مصالح يشكّل تجاوزًا للقواعد التي تنظّم المحكمة نفسها”.
من جهته، وجّه رئيس نقابة المحامين في باريس، لويس ديغوس، رسالة باسم 37 ألف محامٍ إلى رئاسة الجمعية، دعا فيها إلى احترام قرار اللجنة، مشددًا على أن تجاهله يعني تحويل الإجراء الانضباطي إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. الموقف ذاته عبّرت عنه رابطة المحامين الأفارقة، التي حذّرت من أن تجاوز آراء القضاة قد يقوّض مصداقية المحكمة ويضعف الثقة في العدالة الدولية.
ما ينتظر المحكمة
تشير وثائق داخلية إلى أن المكتب التنفيذي قد يوصي بتعليق مهام خان مؤقتًا إذا توصّل إلى وجود سوء سلوك خطير، على أن يُرفع الأمر إلى تصويت الدول الأعضاء البالغ عددها 125 دولة. وإذا حصد القرار أغلبية مطلقة (63 دولة)، فسيُعفى خان من منصبه رسميًا، أما في حال اعتُبر السلوك أقل خطورة، فقد تفرض عليه عقوبات تأديبية دون عزله.
وبينما تترقب الأوساط القانونية القرار النهائي في يونيو، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام اختبار حاسم لمستقبل المحكمة الجنائية الدولية: هل ستتمكن من الاحتفاظ باستقلالها القانوني وسط التجاذبات السياسية، أم تنزلق إلى صراع يُهدّد مصداقيتها كمؤسسة أنشئت لتكون الضمان الأخير للعدالة عندما تعجز الدول عن تحقيقها؟
اقرأ المزيد
رسمياً.. لجنة تحقيق دولية تغلق ملف اتهامات كريم خان: “لا أدلة على سوء السلوك”












