وطن-في ظل تصاعد التوتر والاحتجاجات في رام الله وسائر مدن الضفة الغربية، أقرّ الكنيست الإسرائيلي تشريعًا أثار موجة واسعة من القلق الحقوقي، إذ يسمح بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين في قضايا وُصفت بأنها “عمليات إرهابية” أدت إلى مقتل إسرائيليين. ويرى مراقبون أن القانون يشكّل تراجعًا خطيرًا عن المعايير القانونية الدولية الراسخة في العالم الحديث.
قانون يثير الغضب في الشارع الفلسطيني
في 31 مارس/آذار 2026 خرج متظاهرون إلى شوارع رام الله رافعين لافتات تدعو إلى وقف ما وصفوه بـ”قانون إعدام الأسرى قبل فوات الأوان”. الاحتجاجات حملت نغمة تحذيرية من خطورة تشريع يفتح الباب أمام تنفيذ أحكام الإعدام ضد الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، ويهدد حقهم في الحياة والكرامة والمساواة.
خطوة مناقضة للتوجه العالمي
منذ عقود، اتجهت أغلبية الدول الديمقراطية إلى إلغاء عقوبة الإعدام أو تعليق تطبيقها، انطلاقًا من قناعة بأنها عقوبة قاسية ولا رجعة عنها وتتعارض مع القيم الإنسانية. ومع أن الاتفاقيات الدولية تدعو الدول إلى تقييد استخدام هذه العقوبة وحصرها في “أشد الجرائم خطورة”، فإن إسرائيل تسير في الاتجاه المعاكس بإحياء هذا النوع من العقوبات ضد الفلسطينيين تحديدًا. فقد تجاهلت لجنة الأمن القومي الإسرائيلية أكثر من ألفي اعتراض قدمت ضد المشروع، فيما اعتبر وزير الأمن القومي المتشدد إيتمار بن غفير تمرير القانون “إنجازًا تاريخيًا”.
مضمون القانون وآلية تطبيقه
ينص التشريع الجديد على أن الفلسطينيين الذين تصدر بحقهم إدانات في المحاكم العسكرية بتهمة قتل إسرائيليين “بدافع قومي” سيواجهون تلقائيًا حكم الإعدام، في حين يبقى هذا الحكم اختياريًا في المحاكم المدنية داخل إسرائيل. هذا التمييز يعني فعليًا أن الفلسطينيين وحدهم يخضعون لعقوبة إلزامية، في حين يتمتع الإسرائيليون، بمن فيهم المستوطنون، بإمكانية استبدال الحكم بالسجن المؤبد في حالات مماثلة.
ويُنظر إلى هذا التفريق بين نظامين قضائيين – أحدهما للفلسطينيين وآخر للإسرائيليين – باعتباره انتهاكًا واضحًا للمادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على مساواة الجميع أمام القانون من دون تمييز.
ثغرات قانونية وتعارضات مع الاتفاقيات الدولية
يشير خبراء القانون الدولي إلى أن فرض عقوبة الإعدام بقرار أغلبية بسيطة داخل هيئة المحكمة، ومن دون اشتراط إجماع القضاة أو حتى طلب المدعي العام، يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمات العادلة. كما يحرم القانون المحكومين بالإعدام في المحاكم العسكرية من حق التماس العفو أو تخفيف الحكم، وهو ما يعد خرقًا للمادة 75 من اتفاقية جنيف الرابعة.
ويتضمن التشريع أيضًا قيودًا إنسانية صارمة، إذ يُلزم بعزل المحكومين بالإعدام في مرافق خاصة تمنع زيارات العائلات وتحد من التواصل مع المحامين، على أن تُنفذ العقوبة خلال تسعين يومًا من صدور الحكم. ويرى خبراء أن هذا الإجراء يحرم المتهمين من فرصة المراجعة القضائية أو إعادة المحاكمة، على عكس ما هو معمول به في الدول التي تصون المعايير القانونية الدولية.
خطر التمييز والعقوبة التعسفية
يعتبر القانون الجديد خطوة إضافية في تكريس منظومة قضائية مزدوجة داخل الأراضي المحتلة، حيث يُحاكم الفلسطينيون أمام محاكم عسكرية معروفة بنسبة إدانة مرتفعة، في مقابل امتيازات تمنح للإسرائيليين في المحاكم المدنية. وبذلك، يتحول القانون إلى أداة لتكريس العقاب الجماعي على أساس الهوية القومية، لا على أساس العدالة والمساءلة الفردية.
ويحذر المدافعون عن حقوق الإنسان من أن تنفيذ الإعدام في مثل هذه الظروف قد يؤدي إلى مقتل أبرياء نتيجة أخطاء قضائية أو تفسيرات سياسية. وتشير تجارب دولية إلى أن أكثر من مئتي شخص حُكم عليهم بالإعدام في الولايات المتحدة مثلاً بُرّئوا لاحقًا بعد ثبوت براءتهم، ما يجعل احتمال الخطأ مبررًا كافيًا لرفض العقوبة نهائيًا.
قلق دولي وموقف هشّ
أصدرت حكومات أستراليا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة بيانًا مشتركًا أعربت فيه عن “قلق بالغ” من القانون الإسرائيلي وتداعياته على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أن هذه المواقف لم تؤثر في مسار القرار داخل الكنيست، الذي مضى قدمًا في المصادقة عليه رغم التحذيرات.
يثير هذا القانون تساؤلات عميقة حول مستقبل العدالة وحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول شرعية استخدام القضاء كأداة للردع الجماعي. وفي وقت تتجه فيه دول العالم نحو إنهاء عقوبة الإعدام باعتبارها لا تحقق الردع ولا العدالة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع قانوني يزيد من هشاشة حقوقهم الأساسية، ويقوّض الثقة بأي نظام يُفترض أن يصون حياة الإنسان لا أن يحدّد مصيرها بالمشنقة.
اقرأ المزيد
“المشنقة بدلاً من الزنزانة”.. إسرائيل تشرعن “القتل البارد” للفلسطينيين بقانون إعدام عنصري
“مقصلة بن غفير”: هل بدأت إسرائيل مرحلة ‘التصفية القانونية’ للأسرى؟ كواليس بروتوكول الموت السريع












