وطن-قبل اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كانت إحدى القرارات الإدارية الهادئة في واشنطن تمهّد لأزمة أكبر بكثير مما كان متوقعًا. فقبل نحو ستة أشهر من الهجوم الأول، جرى تفكيك مكتب شؤون موارد الطاقة في وزارة الخارجية – وهو الجهاز المسؤول عن الدبلوماسية الدولية للطاقة – ضمن حملة موسعة لتقليص الجهاز الإداري الفيدرالي وإعادة هيكلته.
كان يضم هذا المكتب، الذي تأسس عام 2011 في عهد وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون،فريقًا من الخبراء والدبلوماسيين مكلّفًا بتحليل وتنسيق سياسات الطاقة على المستوى العالمي، وبناء جسور تعاون بين الولايات المتحدة ووزارات الطاقة في الخارج وشركات النفط الكبرى. لكن قرار تقليصه الجذري عام 2025، ضمن ما عُرف حينها بمبادرة “كفاءة الحكومة”، أدى إلى فقدان الخبرة المتراكمة في التعامل مع أزمات الطاقة، بحسب ما يؤكده مسؤولون سابقون عملوا فيه.
إخفاق في إدارة أزمة متصاعدة
مع مرور أكثر من شهر على بدء العمليات العسكرية، ووسط إصرار الرئيس دونالد ترامب على “تكثيف الضربات ضد إيران”، برزت أصوات من داخل وزارة الخارجية السابقة للتحذير من أن غياب مكتب الطاقة جعل الدولة الأميركية تفتقد الكفاءات القادرة على التنبؤ بتداعيات الحرب على أسواق النفط العالمية، أو اقتراح سبل لتخفيف آثارها.
عبّر أحد الموظفين السابقين عن دهشته قائلاً: “لقد جرى تهميش الأشخاص الذين كانوا يمتلكون الأدوات والعلاقات الضرورية في مثل هذه اللحظات الحساسة”.
أوضحت المصادر نفسها أن وجود المكتب – لو استمر – لم يكن سيمنع الحرب، لكنه كان سيوفر للحكومة والقطاع الخاص بيانات استراتيجية لتقدير التحركات في أسواق النفط والغاز، وبالتالي تقليل الصدمة الاقتصادية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره خُمس إنتاج النفط العالمي.
تداعيات تُصيب العالم كله
أدت الاشتباكات بين إيران وكلٍّ من واشنطن وتل أبيب إلى شلل شبه تام في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. ومع تعطل الإمدادات، تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، فيما ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى أكثر من 4 دولارات للجالون، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022. الأسواق العالمية بدت في حالة ارتباك غير مسبوقة، وسط تحذيرات من “صدمة نفطية” قد تمتد لسنوات.
هيكلة جديدة وغياب الخبرة
بحلول يوليو/تموز 2025، كان مكتب شؤون موارد الطاقة قد اندمج رسميًا في مكتب الشؤون الاقتصادية والطاقة والأعمال، بعدما فقد نحو 80 موظفًا يشكّلون خبرة نادرة في ملفات الطاقة الجيوسياسية. واستمر فقط عدد محدود من العاملين المتخصصين في المعادن الحيوية والطاقة المتجددة.
وعلى الرغم من أن المتحدث باسم الخارجية أكد أن فرق السياسة الطاقية في شكلها الجديد تعمل “بكفاءة أعلى من أي وقت مضى”، مشيرًا إلى تنسيق الإفراج عن الاحتياطي الاستراتيجي بالتعاون مع الحلفاء، وتنشيط مشاريع الاستكشاف والإنتاج في آسيا الوسطى وإفريقيا وأميركا اللاتينية، إلا أن المسؤولين السابقين يشكّكون في مدى واقعية هذا الطرح.
فقد كانت مهام المكتب السابق تتجاوز العمل الإداري إلى بناء شبكة علاقات مباشرة مع وزارات الطاقة وشركات النفط الكبرى مثل “شيفرون” و”بي بي” و”إكسون موبيل”، إضافة إلى مراقبة حركات ناقلات النفط بالتعاون مع شركات تحليل بيانات متخصصة. هذه الأدوات كانت – بحسب الموظفين السابقين – تسمح بفهم فوري ومبكر لأي تغيرات في تدفق الطاقة أو المخاطر المحتملة ضد البنى التحتية النفطية في الخليج.
خسائر تمتد أبعد من الحرب
لم يقتصر الضرر على غياب المعلومات؛ بل امتد إلى انهيار منظومة العلاقات الطويلة التي تربط الولايات المتحدة بشركائها في ملفات الطاقة. أحد المسؤولين السابقين وصف الأمر بأنه “فقدان لاستمرارية الخبراء”، في إشارة إلى شبكة الاختصاصيين الذين راكموا معرفة عميقة في تفاعلات أسواق النفط والغاز.
كما أشار آخرون إلى أن إعادة الهيكلة أضعفت قدرة واشنطن على قراءة تحركات الصين في مجال استثمارات الطاقة، خاصة أن بكين تستورد نحو 1.3 مليون برميل نفط يوميًا من إيران، أي ما يعادل 13% من وارداتها، ومع إغلاق هرمز قد تلجأ إلى توسيع اعتمادها على الفحم أو تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
بعد إنساني وتحذير للمستقبل
أعرب الخبراء الذين عملوا في المكتب عن قلقهم من أن القرارات الإدارية قصيرة النظر تُترجم اليوم إلى ارتباك فعلي في تعامل واشنطن مع حلفائها وشركات الطاقة حول العالم. فبينما تُخاض الحرب في الميدان، هناك معركة أخرى تُخاض في الكواليس: معركة من يمتلك المعلومة، ومن يستطيع أن يوجّه القرار في لحظة الأزمات.
ويخلص أحدهم بالقول إنّ “الخبرة التي هُمّشت داخل المكاتب قد تكون اليوم أكثر أهمية من الأسلحة في الميدان، لأن الطاقة باتت محور الصراع ومفتاح الخروج منه”.
تذكّر هذه الأزمة أن الدبلوماسية في عالم الطاقة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. فإدارة الموارد والخبرات ليست مجرد ملفات بيروقراطية، بل هي خطوط دفاع أولى في زمنٍ تتحول فيه الطاقة إلى سلاح سياسي واقتصادي عالمي.
اقرأ المزيد
هل تنجح سلطنة عمان في نزع فتيل ‘حرب المضيق’؟ كواليس المفاوضات السرية لإعادة فتح شريان العالم












