وطن-تتزايد الهواجس داخل المجتمع العلوي في سوريا مع تصاعد التقارير عن اختفاء نساء وفتيات من طائفتهم في ظروف غامضة، وسط اتهامات للحكومة الانتقالية بالتقليل من شأن الانتهاكات التي تطال هذه الفئة من المجتمع.
فبعد عام من الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، قالت السلطات الجديدة برئاسة أحمد الشرع إنها سجلت حالة استهداف واحدة فقط لامرأة علوية. غير أن تحقيقًا موسعًا أجرته صحيفة أمريكية كشف ما لا يقل عن 13 عملية خطف لنساء وفتيات علويات، خمس منهن أكدن تعرضهن لاعتداءات جنسية قاسية أثناء الاحتجاز، فيما عادت اثنتان وهن حوامل.
روايات مؤلمة وأرقام مقلقة
هذه النتائج جاءت لتدعم تقارير سابقة لمنظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية التي أشارت إلى وجود “تقارير موثوقة” عن 36 حالة خطف مشابهة، كما وثقت “الهيئة النسوية السورية” اختفاء نحو 80 امرأة وفتاة من الطائفة منذ مطلع عام 2025.
وقد وصفت بعض الضحايا ما تعرضن له بأنه عنف انتقامي ذي طابع طائفي، في حين اعتبر البعض الآخر أن عمليات الخطف كانت مدفوعة بمصالح مالية وجنائية بحتة.
روى أحد أقارب مختطفة أن عائلته دفعت فدية بلغت 17 ألف دولار للخاطفين، لكن ابنتهم لم تُفرج عنها رغم ذلك. فيما تحدثت شابة أخرى، تبلغ من العمر 24 عامًا، عن احتجازها لثلاثة أسابيع في غرفة قذرة، تعرّضت خلالها للاغتصاب والضرب وحلق شعرها وحاجبيها وإيذائها بأدوات حادة، قبل أن يطلق سراحها بعد دفع فدية.
توترات ما بعد الإطاحة بالأسد
طوى سقوط النظام السابق صفحة سياسية طويلة لكنه فتح أخرى مشحونة بالخوف والانقسام. فالتوتر بين الحكومة الانتقالية والمجتمع العلوي يتفاقم منذ خروج الأسد إلى موسكو، لا سيما بعد سلسلة هجمات شهدتها محافظة اللاذقية.
نسب تحقيق لوكالة رويترز، كثيرًا من أعمال العنف التي أودت بحياة أكثر من 1500 علوي إلى ضباط أمن سابقين في دمشق، ما زاد من مأساوية المشهد.
وفي مواجهة الاتهامات الأخيرة، صرّح المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين بابا، بأنه لا يستطيع الرد على التحقيق الصحفي ما لم تُكشف أسماء الضحايا والشهود، وهو ما رفضته الجهة الإعلامية حفاظًا على سلامتهم. وأضاف أن تقرير الحكومة الصادر في نوفمبر الماضي فحص 42 بلاغًا عن خطف، وخلص إلى أن حالة واحدة فقط منها كانت حقيقية.
خلفية أوسع للنزاع السوري
اشتعلت الحرب السورية عام 2011 عندما فتحت القوات الحكومية النار على متظاهرين يطالبون بالإصلاح السياسي، لتتحول سريعًا إلى نزاع دموي امتد لأكثر من 13 عامًا، وأودى بحياة مئات الآلاف وشرّد ملايين داخل البلاد وخارجها.
وعلى الرغم من أن بعض العلويين شاركوا في الاحتجاجات السلمية في بداياتها، فإن تصاعد الخطاب الطائفي في صفوف المعارضة، إضافة إلى القمع الحكومي، دفع كثيرين منهم إلى الاصطفاف خلف الأسد بوصفه ضمانةً لبقائهم.
ومع تغيّر المشهد السياسي اليوم، تبدو هذه الفئة – التي كانت تُعدّ ركيزة النظام السابق – عالقة بين مخاوف الانتقام وشكوك السلطة الجديدة.
أصوات من الخارج تطالب بالمساءلة
أثناء زيارة رسمية للرئيس أحمد الشرع إلى لندن، خرجت احتجاجات نظمها علويون وأتباع الطائفة العلوية التركية (العلوية/العلَوية) تتهمه بالتغطية على “جرائم إبادة” حدثت في بلاده.
وقال ماهر حمادوش، مدير “الجمعية الساحلية السورية” في بريطانيا، إن السماح لشخصيات ارتبطت بانتهاكات سابقة بالتحرك بحرية “يمنح إشارة خطيرة للمجتمع الدولي مفادها أن الإفلات من العقاب لا يزال ممكنًا”.
وأكد حمادوش، الذي سبق أن دافع عن سياسات نظام الأسد، أن جمعيته تطالب الحكومة البريطانية بعدم منح أي شرعية أو منبر لأفراد على صلة بـ”نشاطات متطرفة أو انتهاكات لحقوق الإنسان”، على حد تعبيره.
صدمة مجتمعية وحاجة للحماية
وعلى الرغم من اختلاف الروايات حول دوافع عمليات الخطف، فإن القاسم المشترك بينها هو شعور الضحايا بالخوف والخذلان، في وقت لا تزال فيه البلاد تبحث عن توازن جديد بين العدالة والمصالحة.
بات الملف العلوي اليوم أحد أخطر انعكاسات الأزمة السورية، يختصر بوضوح كيف يمكن للعنف المتراكم أن يتحول إلى دائرة انتقام جديدة إن لم تُصَن كرامة الإنسان أياً كانت طائفته.
اقرأ المزيد
وفاة رفعت الأسد.. نهاية رجل ارتبط اسمه بمجزرة حماة وأحلك فصول تاريخ سوريا
سوريا بعد الأسد: بلد مدمّر بلا خطة إعمار… ونيويورك تايمز تحذر من فراغ أخطر من الحرب











